الرئيسية / صحافة ورأي / بين فجوة البيانات ونقص الطاقة.. قد تتلاشى أحلام الذكاء الاصطناعي

بين فجوة البيانات ونقص الطاقة.. قد تتلاشى أحلام الذكاء الاصطناعي

جمال المحاميد
جمال المحاميد
الرئيس التنفيذي لشركة بالميرا لحلول التكنولوجيا
 
 
 
طفرة استثمارية بلا بيانات كافية.. وديون تتجاوز البنوك لأول مرة

عطش للطاقة:

في الوقت الذي تواصل فيه الشركات العالمية سباقها المحموم لبناء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، يتجه القطاع إلى استهلاك مستويات من الطاقة تُشبه قدرات دول بأكملها، يقف أمامنا مشروع OpenAI الضخم “Stargate” على أنه المثال الأبرز، إذ تشير التقديرات إلى أن مراكزه الجديدة قد تحتاج إلى نحو 15 غيغاواط من الكهرباء، وهي قدرة تُعادل إنتاج 15 مفاعلاً نووياً متوسطاً.
اورغم الحماسة نحو مستقبل تقوده الأنظمة الذكية، تتزايد التساؤلات حول جدوى هذه الاستثمارات الهائلة، خصوصاً أنها تعتمد بشكل متزايد على بيانات اصطناعية لتعويض النقص في البيانات الحقيقية، بينما تراهن الشركات مالياً على فرضية غير مؤكدة: الوصول إلى ذكاء يشبه الذكاء البشري، أو كلما زاد حجم مراكز البيانات تكون النماذج أذكى، لكن ببلوغ نسبة تصل إلى أعلى من 95% من الدقة، يصبح هامش التحسين ضئيلاً جداً.
وكأن مراكز البيانات تحولت إلى وحش ينمو بلا سقف، يركض وراء حلم قد لا يصبح حقيقة، فعلى سبيل المثال تستهلك الشريحة الواحدة من Nvidia ما يصل إلى 2.7 كيلوواط مع إضافة ما يزيد على الضعف لأغراض التبريد وشبكات الألياف والبنية الكهربائية، وعندما يرتبط هذا الرقم بمشاريع شركة OpenAI لوحدها والتي تحتاج إلى تشغيل 3 إلى 5 ملايين GPU خلال السنوات الأربع المقبلة من خلال تقديرات الحوسبة لمشروع “Stargate”، يصل الاستهلاك الكهرباء إلى 15 غيغاواط.
هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يعتمد على تطوير الخوارزمية بقدر اعتماده على ضخ المزيد من الكهرباء.

بيانات اصطناعية لتعويض فجوة البيانات الحقيقية:

رغم إنشاء مراكز بيانات عملاقة، فإن الشركات تواجه نقصاً واضحاً في البيانات الحقيقية، ولهذا تتجه شركات مثل OpenAI وMeta وAnthropic وGoogle إلى استخدام إما بيانات اصطناعية Synthetic Data أو البيانات المولدة ذاتياً Self-generated Data.
وهو ما يعكس حقيقة أن البنية التحتية أصبحت أكبر بكثير من حجم البيانات المتاحة فعلياً، ويؤكد ذلك خبراء من أمثال Yann LeCun وهو الأب الروحي للذكاء الاصطناعي في شركة META بأن “زيادة الحجم لا تعني الوصول إلى ذكاء عام AGI”، ما يجعل جزءاً كبيراً من التوقعات المالية الحالية مبنياً على افتراضات غير مؤكدة، كما صرح بشكل واضح بأن الذكاء الاصطناعي بهذه الفرضيات يواجه نهاية مميتة لأنه الوصول للغاية غير متاح بهذه الفرضيات.
%41 من الشركات لا تحتاج إلى كل هذا، هنا المفاجأة، حيث تشير بيانات Gartner وIDC أن 41% من المؤسسات باتت تعتمد على نماذج مفتوحة المصدر دون الحاجة لمراكز بيانات عملاقة، ويمكنها استخدام نماذج مثل Llama و Mistral وDeepSeek وPhi وQwen، على الرغم من أنها أقل دقة بشكل قليل، فإن حساسية بيانات الشركات لا تسمح لها دائماً لرفع البيانات على السحابات التقنية Cloud.
وفي مفارقة لافتة، تكشف تحركات السوق أن السباق نحو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي لا يجري داخل السحابة الإلكترونية التي تخدمها مراكز البيانات كما كان متوقعاً قبل سنوات، فمع تفاقم تكاليف الحوسبة على Azure وAWS وGoogle Cloud، بدأت موجة «عودة صامتة» للشركات نحو مراكز البيانات الخاصة، أو إلى منشآت استضافة مستقلة (Colocation)، بحثاً عن تكلفة أقل وسيطرة أكبر. وتشير العديد من التقارير إلى ذلك ومن أهمها Andreesen Horowitz وGartner تشير إلى أن تشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي داخل السحابة قد يكون أعلى تكلفة بثلاثة إلى خمسة أضعاف مقارنة بتشغيلها على بنية تحتية مملوكة أو مستأجرة، وهي فجوة دفعت شركات كبرى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الرقمية، فبينما يعتقد البعض أن خيار السحابة الإلكترونية أقل تكلفة، لكن سرعان ما يتلاشى هذا الاعتقاد مع زيادة حجم البيانات.
وهذا الاتجاه يطرح تحدياً حقيقياً أمام نموذج الأعمال الخاص بالشركات التي تراهن على بناء منصات ذكاء اصطناعي سحابية ضخمة مثل Microsoft Azure وGoogle وOpenAi وغيرهم.

فقاعة الديون:

بدأت تتشكل ملامح فقاعة من الديون التي تمول مشاريع الذكاء الاصطناعي والتي تغذي شركات بخسائر متراكمة. بحسب تقارير إعلامية واقتصادية، من بينها ما نشرته الفايننشال تايمز، فإن شركات الذكاء الاصطناعي اقترحت قروضاً لتمويل توسعاتها تتجاوز لأول مرة حجم ديون قطاع البنوك نفسه، فقروض مشروع مثل “Abilene” لوحده في تكساس شملت على 9.6 مليار دولار منJP Morgan، بالإضافة إلى قروض واستثمارات من SoftBank وMGX وOracle بمليارات أخرى.
المخاطرة أن كل هذا التمويل قائم على توقعات بتحقيق ذكاء عام AGI.. وهو هدف لم يتحقق علمياً حتى الآن.
وتؤكد هذا الشيء تقارير عديدة من أهمها ما جاء في صحف مثل Financial Times و American Banker حيث تقول بأن شركتي الذكاء الاصطناعي الكبرى OpenAI وAnthropic تواجهان صعوبة في تأمين تغطية شاملة للدعاوى القانونية التي قد تنشأ من نماذج الذكاء الاصطناعي، وأن التغطية المتاحة لا تكفي لتغطية المخاطر المحتملة.
ويعود ذلك لأسباب عديدة، أهمها مخاطر أخرى تتعلق بالدعاوى وحقوق طبع ونشر، أخطاء نموذج بالإضافة إلى عدم وجود أطر تنظيمية واضحة لهذا القطاع وطبيعة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تمنع بناء أسعار تأمين دقيقة على تلك النماذج، لذلك لا يستطيع التأمين التقليدي تغطية مخاطر الذكاء الاصطناعي.

تجارب سابقة:

للمقارنة فقط من دراسات سابقة ولسوق مشابه، توقعت شركة Mckiney & Co أن تضيف طفرة تكنولوجية إنترنت الأِشياء التي بدأت في عام 2010، ما يقارب 12.6 تريليون دولار بحلول عام 2030 للاقتصاد العالمي، لكن ها نحن اليوم في عام 2025 وتشير بيانات IOT Analytics المتخصصة بهذا المجال، إلى أن حجم سوق إنترنت الأشياء في عام 2025 لم يتجاوز الـ21.1 مليار دولار، كما أن شركات ضخمة مثل IBM وGoogle أغلقت خدماتها في هذا المجال تباعاً في عام 2022 وعام 2023.

في الختام:

نعلم بأن هناك تقدماً ملحوظاً في التكنولوجيا من حيث قراءة المحتوى وتوليده والقدرات التي توصل لها الذكاء الاصطناعي الضيق ANI الحالي، لكن أسس التقديرات المالية هشة لمعرفة العوائد من تلك المشاريع، فبينما تقدر أسواق المال قيمة أكبر 7 شركات في هذا المجال بقيمة 22 تريليون دولار، أي ما يتجاوز قيمة اقتصادات قارات بأكملها، تدور السوق بأكملها حول شركات لم ترَ الأرباح النور في قوائمها المالية، فلا شك أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر شكل الخدمات والاقتصادات، وقد بدأ بالفعل في إحداث ذلك، لكن الحقائق تشير إلى فجوة كبيرة بين طموحات الشركات والبيانات الحقيقية المتاحة وقدرة الشبكات الكهربائية من جهة ونموذج الربحية المستقبلي من جهة أخرى.
نعم الثورة جارية، لكن الطريق مبني على توقعات غير مضمونة، ومع ارتفاع الاعتماد على بيانات اصطناعية، وديون هائلة، وطلب كهربائي غير مسبوق، يبقى السؤال مطروحاً: هل نبني اقتصاداً ذكياً.. أم نمشي نحو فقاعة كهرباء وديون قد تنفجر قبل الوصول إلى AGI؟

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …