الرئيسية / صحافة ورأي / الدمج والاستحواذ في الشرق الأوسط.. نمو مرن وسط حالة عدم اليقين العالمية

الدمج والاستحواذ في الشرق الأوسط.. نمو مرن وسط حالة عدم اليقين العالمية

جاستن سميث
جاستن سميث
المدير العام لمنصة أنسارادا للدمج والاستحواذ
يشهد الشرق الأوسط تحوّلاً لافتاً يجعله اليوم من أبرز المناطق الساخنة في صناعة الصفقات العالمية. فبينما تباطأ نشاط الدمج والاستحواذ على مستوى العالم، أظهرت المنطقة أداءً استثنائياً؛ إذ ارتفع حجم الصفقات بنسبة 19% خلال النصف الأول من عام 2025، في وقتٍ تراجعت فيه التعاملات العالمية بنحو 9%، وفقاً لتقرير «ترانس آكت الشرق الأوسط 2025» الصادر عن «بي دبليو سي».
ولا يمكن تفسير هذا النمو اللافت بعامل واحد، بل هو نتيجة مزيج من السياسات الحكومية الاستراتيجية وتوفر رؤوس الأموال والبيئة الاقتصادية الطموحة التي تتجاوز الاعتماد التقليدي على الثروة النفطية. فقد أدرك المستثمرون الدوليون أن المنطقة لا تزخر بالموارد فقط، بل تمتلك أيضاً الرؤية والإرادة لتكون لاعباً رئيسياً في المنافسة العالمية.
ويُشير تحليل منصة أنسارادا لسوق الدمج والاستحواذ في الربع الثاني من عام 2025، إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر قادت نشاط الدمج والاستحواذ في الربع الثاني من عام 2025، بحصة بلغت سبعاً من أصل عشر صفقات رئيسية في المنطقة. ويُترجم ذلك إلى أكثر من مجرد قوة مالية؛ فهو يعكس ثقة متزايدة بالنمو الاقتصادي طويل الأمد ورغبة واضحة في تنويع الاستثمارات واحتضان قطاعات جديدة للنمو.

القطاعات المحرّكة للصفقات

وتتصدّر قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والخدمات المالية والموارد الطبيعية مشهد الصفقات في الشرق الأوسط. فقد بلغت قيمة صفقات الطاقة والموارد الطبيعية نحو 1.8 مليار دولار، فيما أضاف قطاع التكنولوجيا 1.5 مليار دولار من خلال 40 صفقة، وسجّل قطاع الخدمات المالية 1.8 مليار دولار عبر 14 صفقة.
وتؤكّد هذه الأرقام أن المنطقة لا تكتفي بالمشاركة في التحول الاقتصادي العالمي، بل تسهم في قيادته، من خلال الاستثمار في التحول الرقمي وبناء اقتصادات المعرفة والطاقة المستدامة.

التحول التكنولوجي.. محرك المستقبل

ويشهد قطاع التكنولوجيا اهتماماً متزايداً، خاصة في ظل التوجه الإقليمي نحو التحول الرقمي واعتماد الذكاء الاصطناعي في شتى المجالات. ويجذب هذا التوجه رؤوس أموال من شركات الملكية الخاصة والمؤسسات الصناعية على حد سواء، في ظل قناعة متنامية بأن الابتكار القائم على الذكاء الاصطناعي سيُسرّع وتيرة الصفقات خلال 2025، ويعزّز مكانة الشرق الأوسط كأحد أكثر مراكز الاستثمار الرقمي حيويّة في العالم.
من الملاحظ أيضاً ارتفاع وتيرة الصفقات العابرة للحدود، مع سعي المستثمرين في المنطقة إلى التوسع الدولي وعقد شراكات استراتيجية جديدة. إلا أن هذه الصفقات لا تخلو من تحديات تنظيمية وتشغيلية معقدة، حيث يمكن لتفصيل صغير أن يُغيّر مسار المفاوضات أو نتائجها. في هذا السياق، أصبحت التقنيات الحديثة -مثل الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية- أدوات لا غنى عنها، إذ تمنح صانعي القرار قدرة أكبر على اكتشاف المخاطر والفرص في مراحل مبكرة. وغرف البيانات الافتراضية، ولم تعد منصة «أنسارادا» على سبيل المثال، مجرد وسيلة لتبادل المستندات، بل أصبحت مكوّناً استراتيجياً لإدارة الصفقات بكفاءة وأمان.
ولا تقل أهمية البنية التحتية التقنية والامتثال للأنظمة المحلية عن أهمية رأس المال ذاته. فوجود منصات آمنة ومتوافقة مع معايير الخصوصية الإقليمية يمكّن فرق العمل من التركيز على التخطيط الاستراتيجي بدل الانشغال بالإجراءات البيروقراطية.

تحديات ومخاطر مستقبلية

ورغم الزخم الإيجابي، لا يخلو المشهد من تحديات. فالتقلب في أسعار النفط لا يزال يُلقي بظلاله على اقتصادات المنطقة، خصوصًا تلك التي ما زالت تعتمد نسبياً على العائدات النفطية، كما أن التوترات الجيوسياسية في بعض المناطق المجاورة تُضيف طبقة من التعقيد إلى بيئة الاستثمار.
2 / 2
وعلى الصعيد العالمي، تشكّل أسعار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتقلبات أسعار العملات والأسهم، عوامل ضغط على قرارات المستثمرين وتوقيت الصفقات. لذلك، فإن المرونة والتخطيط الاستراتيجي يظلان عنصرين حاسمين في التعامل مع هذه البيئة المتغيرة.

الشرق الأوسط… قوة صاعدة في الاقتصاد العالمي

على الرغم من التحديات، تُظهر أسواق الدمج والاستحواذ في الشرق الأوسط مرونة غير مسبوقة، مدفوعة بالإصلاحات الحكومية والاستثمارات السيادية. فالمشهد الحالي يُبشّر بمرحلة جديدة من النمو المستدام، تتغذى على استثمارات استراتيجية في التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والخدمات المالية.
اليوم، لم يعد الشرق الأوسط مجرد وجهة لرؤوس الأموال، بل أصبح مركزاً عالمياً لصناعتها وتوجيهها. إن ما نشهده ليس ازدهاراً عابراً، بل تحوّلاً هيكلياً يعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، ويضع المنطقة في موقع الريادة ضمن خريطة صناعة الصفقات الدولية.
CNN Business News 

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …