الرئيسية / صحافة ورأي / عصر خلق القيمة.. واقع يحتم على الشركات تجاوز مفهوم «المال الرخيص»

عصر خلق القيمة.. واقع يحتم على الشركات تجاوز مفهوم «المال الرخيص»

لارس فيستيه
لارس فيستيه
رئيس مجلس إدارة شركة إف تي آي كونسلتينج في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا
 
مع ابتعاد المشهد الاقتصادي العالمي عن حقبة التمويل الرخيص، لم يعُد يخفى على الشركات أنّ النجاح في البيئة الراهنة التي تتّسم بارتفاع التكاليف وتزايد التحدّيات يتطلّب انضباطاً تشغيليّاً صارماً، وتنفيذاً استراتيجيّاً، وتبنّياً واعياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ارتفعت تكاليف الاقتراض المؤسّسي إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2008، الأمر الذي جعل الاعتماد على الديون كأداةٍ للتوسّع أقلّ موثوقيّةً وجدوى مقارنةً بالماضي، وأظهرت بيانات منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أنّ الحكومات والشركات اقترضت ما يقارب 25 تريليون دولار خلال عام 2024، في حين ارتفعت إصدارات السندات المؤسّسية إلى نحو 35 تريليون دولار، ما يعكس حجم الاعتماد المتزايد على أدوات الدين في تمويل الأنشطة الاقتصادية حول العالم.     
ولم تَسْلَم حتى الاقتصادات المتقدّمة من وطأة هذه الضغوط، ففي إحدى عمليات بيع السندات الحكومية البريطانية مؤخّراً، سجّلت العوائد مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، في إشارةٍ واضحة إلى أنّ حقبة الاقتراض الرخيص قد ولّت، حتّى إن كان الغرض منها تنفيذ خطط توسّع مدروسة. 
وقد بدأنا فعلاً نلمس وطأة هذا التحوّل على قطاع الاستثمار في الأسهم الخاصة، إذ تراجعت قيمة الصفقات بشكلٍ حادّ منذ ذروتها في عام 2021، في مؤشّرٍ على تغيّر بيئة التمويل التي كانت تُغذّي نمو هذا القطاع خلال السنوات الماضية.
وأفاد تقرير «إس أند بي غلوبال» (S&P Global) بأنّ حجم الصفقات المدعومة من شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة تراجع بنسبة 29% خلال عام 2024 مقارنةً بالعام السابق.

كما تراجع نشاط التخارج بدوره، إذ سُجِّلت 473 صفقة تخارج فقط بقيمة 80.8 مليار دولار خلال الربع الأوّل من عام 2025، وهو الأداء الفصلي الأضعف منذ عام 2023، وتُظهر هذه الأرقام أنّ الهندسة المالية وحدها لم تَعُد كافية لتحقيق العوائد المنشودة، في ظل تحوّل بيئة الاستثمار نحو معايير أكثر صرامةً.

ويشهد سوق الاندماج والاستحواذ العالمي (M&A) ضغوطاً مماثلة، إذ تراجعت قيمة الصفقات بنسبة 18% خلال الربع الثاني من عام 2025، بينما انخفض عددها إلى أدنى مستوى له منذ عقدٍ كامل، كما أنّ العوامل الداعمة التي كانت تُعدّ ركيزة للنمو تتلاشى تدريجياً، مثل عمليات الدمج والتوسّع في التقييمات السوقية، الأمر الذي يدفع الشركات إلى إعادة التفكير في سُبُل خلق القيمة.
وبموازاة ذلك، تتّسع الفجوة بين الطموح والتنفيذ داخل الشركات، فبحسب مؤشّر خلق القيمة لعام 2025 الصادر عن شركة «إف تي آي كونسلتينج» (FTI Consulting)، أشار 65% من قادة الاستثمار في الأسهم الخاصة إلى أنّ الذكاء الاصطناعي يُمثّل أولوية استراتيجية قصوى لهذا العام، إلا أنّ أقلّ من 15% فقط أكّدوا نجاحهم في توظيفه بفاعلية ضمن عملياتهم التشغيلية.

وتُظهر البيانات أنّ 23% فقط من الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي أو الاندماج والاستحواذ كأدوات أساسية لتحفيز النمو على نحوٍ متكرّر، ومن بين هذه النسبة أفادت ثلث الشركات بأنّ نتائجها متوسّطة أو دون المستوى، فمن السهل التعرّف إلى التقنيات التي تُغيّر قواعد اللعبة، لكنّ التحدّي الحقيقي يَكمُن في تطبيقها على نطاقٍ واسع وفاعل داخل الشركات.

تحمل هذه المرحلة أهميّة خاصة للشركات في منطقة الشرق الأوسط، حيث ركّز توظيف رأس المال لعقودٍ طويلة على التوسّع والحجم أكثر من الكفاءة أو العائد، غير أنّ هذا النهج يشهد اليوم تحوّلًا واضحًا، فالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ودولة قطر تُركّز اليوم بشكلٍ متزايد على الاستثمار المستدام، وتعزيز الحَوكمة، وضمان العوائد المستقرّة، في إطار سعيها لترسيخ اقتصادات أكثر مرونة وتنافسية.                                                     وبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، استقطبت الإمارات وحدها استثمارات أجنبية مباشرة بلغت 14.9 مليار دولار خلال عام 2023، غير أنّ تدفّق رؤوس الأموال لا يتحوّل إلى قيمةٍ طويلة الأمد إلا عندما تُثبت الشركات قدرتها على التنفيذ المنضبط وتحقيق نتائج قابلة للقياس تعكس كفاءتها وجدارتها.
فكيف ينبغي للشركات أن تتعامل مع عصر خلق القيمة الذي يفرض معايير جديدة على الأداء والتميّز؟ هناك ثلاث ركائز أساسية تبرز في هذا السياق، أوّلها ترسيخ النماذج التشغيلية على أسسٍ من الانضباط والكفاءة التشغيلية الصارمة، فخفض التكاليف وحده لا يكفي، والشركات الأكثر نجاحاً هي التي تُعيد استثمار الوفورات التي تحقّقها في تعزيز قدراتها المؤسسية، مثل بناء سلاسل توريد مرِنة، وتطوير المنتجات، ورفع كفاءة التسويق، وهي مجالات غالباً ما لا تُستثمر بالقدر الكافي، لكنّها تمتلك القدرة على فتح آفاق جديدة للنمو المستدام.
ثانياً، لا بدّ من سدّ فجوات التنفيذ عبر ترسيخ الحَوكمة وتعزيز المساءلة، فالرؤية من دون تنفيذٍ فعلي لا تتجاوز كونها طاقةً مهدورة، ويُفترض بالقادة أن يتبنّوا ما يمكن تسميته بـ«القلق الإيجابي» أي أن يحافظوا على حسٍّ دائم من التساؤل والنقد البنّاء حول فاعلية النماذج القائمة، وأن يُبادروا إلى تعديل المسار حين تُظهر المؤشّرات أنّ النتائج غير مُجدية.

في العديد من الشركات، تشوب حالة من التوتّر بين المستثمرين الذين يسعون إلى نتائج فورية، والإدارات التنفيذية التي تركّز على الإمكانات طويلة الأمد، غير أنّ الشركات الأكثر نجاحاً هي التي توفّق بين الجانبَين من خلال مواءمة الحوافز بما يضمن تحقيق التوازن بين العوائد قصيرة المدى والنمو المستدام على المدى الطويل.

وأخيراً، ينبغي تضمين تقنيات الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية في جوهر العمل المؤسّسي، لا بوصفها شعاراتٍ رنّانة، بل باعتبارها أدواتٍ أساسية لا غنى عنها لدفع عجلة التغيير والتحوّل الحقيقي، وستتمكّن الشركات التي تنجح في هذا الصدد من تحقيق مكاسب إنتاجية ومعرفية تتراكم بمرور الوقت، لتُرسّخ تفوّقها التنافسي.
وبالعودة إلى منطقة الشرق الأوسط، فهي تقف اليوم على مفترق طرق نظراً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ورؤوس أموالها السيادية، ورؤاها الوطنية الطموحة، التي تمثّل جميعها عناصر قوّة استثنائية.
لكنّ المرحلة المقبلة ستفصل بين من يملك الموارد ومَن يُحسن توظيفها، وذلك من خلال إدارة رأس المال بانضباط، وتنفيذ الاستراتيجيات بدقّة، وامتلاك الجرأة لإعادة ابتكار نماذج أعمالهم بمرونةٍ آنية.
ولا يُمكن هنا أن نغفل عن الدور الحيوي الذي يؤدّيه الخبراء والمستشارون أيضاً، إذ لم يَعُد يكتفي العملاء بالاستراتيجيات «المجرّدة»، فهُم يبحثون عن شركاء يحوّلون الخطط إلى واقع ملموس، ويحملون معهم رؤى مرتبطة بواقع القطاعات وخبراتٍ عملية اكتسبوها عبر خوض مراحل انتقالية معقّدة، والجليّ أنّ الحدود بين الاستشارات لتشخيص المُشكلات والتنفيذ على أرض الواقع بدأت تتلاشى تدريجياً.
فقد دخلنا فعلاً زمن خلق القيمة، وهو العصر الذي سيُعيد رسم ملامح عالم الأعمال خلال العقد المقبل من الزمن، وستكون الشركات التي تتبنّى الانضباط التشغيلي، وتُدمج الذكاء الاصطناعي وفق نهجٍ واعٍ ومدروس، وتُرسّخ ثقافة التجديد المستمر هي التي ستقود وتيرة المنافسة وترسم مستقبل الأداء الاقتصادي، وفي عالمٍ تتعاظم فيه التكاليف وتشتدّ المنافسة وتتعقّد حركة رؤوس الأموال، لم يعُد الركود خياراً، إذ إنّ مُراوحة المكان تعني ببساطة الخروج من دائرة التأثير الاقتصادي.

لارس فيستيه، رئيس مجلس إدارة شركة إف تي آي كونسلتينج في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …