الرئيسية / صحافة ورأي / الشمول المالي ليس كافياً.. لماذا تحتاج المنطقة العربية إلى ثورة في التفكير المالي؟

الشمول المالي ليس كافياً.. لماذا تحتاج المنطقة العربية إلى ثورة في التفكير المالي؟

د. مصطفى وليد نورالله
د. مصطفى وليد نورالله
بروفيسور مساعد في مركز أبحاث العلاقات الاقتصادية بجامعة Mid Sweden University
 
مع مطلع الألفية الجديدة بدأ مصطلح «الشمول المالي» يفرض نفسه بقوة على الساحة الاقتصادية العالمية، ووفقاً لتعريف مجموعة البنك الدولي، فإن الشمول المالي يعني تمكين الأفراد والشركات من الوصول إلى خدمات مالية أساسية بطريقة ميسّرة ومنصفة، سرعان ما تجاوز هذا المفهوم حدود الاقتصاد، ليغدو موضوعاً حاضراً في الخطابات السياسية، ومحلّ نقاش في الأوساط الأكاديمية والإعلامية على حد سواء، لكن -وبينما يعتبر كثيرون هذا المفهوم حلاً سحرياً لمعضلات الفقر والإقصاء- تبرز تساؤلات جوهرية: هل يكفي مجرد فتح الحسابات المصرفية لإحداث التغيير المنشود؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الشمول المالي نفسه، والانتقال إلى رؤية أوسع وأكثر عمقاً؟ . 

واقع الشمول المالي في المنطقة العربية

لا تزال المنطقة العربية تُعاني من مستويات متدنية في الشمول المالي، إذ تشير أرقام المؤشر العالمي للشمول المالي المتاحة عبر موقع البنك الدولي إلى أن أقل من 40% من السكان فوق سن 15 عاماً يمتلكون حساباً في مؤسسة مالية، مقارنة بمتوسط عالمي يناهز 75%، هذا الواقع يعني أن ملايين الأسر في المنطقة محرومة من خدمات مالية أساسية، مثل الحسابات المصرفية، وهو ما يرتبط بجملة من العوائق البنيوية والثقافية.
من أبرز هذه العوائق: انخفاض مستويات الدخل، وعدم ملاءمة بعض النماذج المصرفية للخصوصيات الدينية والثقافية للأسر العربية، بالإضافة إلى ضعف الربحية في المناطق النائية، ما دفع المؤسسات المالية إلى تهميشها.

ومع تزايد الاعتماد على المعاملات المالية وبشكل شبه يومي، بات للإقصاء المالي تبعات خطيرة، من انتشار شبكات التحويلات غير الرسمية، وغسل الأموال، والتهريب، إلى حرمان الأسر من وسائل آمنة لحفظ مدخراتها.

في مواجهة هذا الواقع، بدأت بعض الدول العربية باتخاذ خطوات لتعزيز الشمول المالي، أبرزها ربط فتح الحسابات المصرفية لتسلّم الرواتب، وهي السياسة المعروفة بـ”توطين الرواتب”، وقد أسهم هذا الإجراء في رفع نسب الشمول المالي وتقليل التكاليف الإدارية على المؤسسات، لكنه لم يحقق بالضرورة نتائج إيجابية مستدامة في كل الدول التي طبق بها، كما تُظهر بعض التجارب، أبرزها التجربة السورية، وقد أكد هذه الظاهرة البروفيسور الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2019 أبيجيت بانيرجي في مقال نشره في Journal of Development Economics، حيث نوه إلى أن ارتفاع معدلات فتح الحسابات في تشيلي لم يُترجم إلى ارتفاع مماثل في مستويات الادخار، وهذا ما يُظهر أن توفير الحساب لا يعني تلقائياً استخدامه بفعالية.

التحديات البنيوية: هل الشمول المالي كافٍ وحده؟

إن زيادة أعداد الحسابات المصرفية لم تواكبها تحسينات في البنية التحتية المالية، والتي لا تزال في كثير من الدول العربية تعتمد كلياً على المعاملات النقدية (الكاش)، ما أدى إلى ظهور أزمة طوابير الصرافات الآلية، التي تعاني من نقص كبير في العدد والانتشار، حيث تشير قاعدة بيانات مسح إتاحة الوصول إلى الخدمات المالية من صندوق النقد الدولي لعام 2023 إلى وجود نحو 122، 92، و91 صرافاً آلياً لكل 100 ألف بالغ في إيطاليا، وتركيا، واليونان على التوالي، في حين تنخفض هذه الأرقام إلى 34 في لبنان، و32 في مصر، و15 في العراق، و13 فقط في الجزائر، وقد تسبب هذا الواقع في معاناة حقيقية للمواطنين، إذ يُضطر البعض للسفر إلى مدن أخرى من أجل سحب راتبهم، وقد يعودون خائبين إذا ما تعطلت الآلة.
وتزامنت هذه الحالة مع تحول رقمي لا يزال محدود النطاق؛ إذ تشير إحصائيات مجموعة البنك الدولي إلى أن نسبة سكان المنطقة العربية (فوق سن 15 عاماً) ممن استخدموا المدفوعات الرقمية كانت 32% في 2021 وهي نسبة متواضعة عندما تقارن بالمتوسط العالمي البالغ 64%، وعليه ذهبت بعض الآراء إلى أن البنية التحتية التكنولوجية لها دور مهم في هذا المجال، وشددت على أهمية أن تقترن الزيادة في نسب الشمول المالي مع تحسن هذه البنية.

وفي الواقع أشار عدد من الأبحاث إلى أن تطور البنية التحتية التكنولوجية يفيد في تحسين الواقع المعيشي للأسر، إلا أنه -ومن منظور تنموي شامل- فإن هذا الأثر قد يكون محدوداً في المنطقة العربية، ويمكن الاستدلال على هذا الأمر من خلال أن تطور تلك البنية التحتية بالتوازي مع الشمول المالي لم يكن كافياً في حد ذاته لضمان الحياة الكريمة للأسر في عدد من مناطق العالم، ففي عام 2021، بلغت نسبة السكان في البرازيل ممن تجاوزت أعمارهم 15 عاماً وامتلكوا حساباً في مؤسسة مالية نحو 84%، أما نسبة من اعتمدوا على المدفوعات النقدية فقد وصلت إلى 77%، في حين لم تتجاوز نسبة من قاموا بالادخار في مؤسسات مالية 23%، في حين رأى 11% فقط من المستجيبين للمسح أنهم قادرون على تأمين أموال طارئة خلال أسبوع واحد.

تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إننا بحاجة إلى ثورة في التفكير المالي تقود إلى تحسين أوضاع الأسر، لا سيما في المناطق التي تعاني ضعف التنمية، أو في البلدان التي شهدت صراعات وحروباً وكوارث طبيعية، ويبرز هنا مدخل القدرات الذي قدّمه الاقتصادي والحائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1998 أمارتيا صن، والذي يركّز على تمكين الأفراد من تحقيق حياة كريمة عبر قدراتهم الفعلية، وليس فقط توفير الوسائل.

من الشمول المالي إلى «القدرة المالية»

في ضوء هذه التحديات، بات من الواضح أن التركيز على «القدرة المالية» هو السبيل الأكثر الفعالية لإحداث تغيير حقيقي، وهذا ما حاولنا تقديمه في دراسة نُشرت في Global Finance Journal، استلهمنا في هذه الدراسة مفهوم “القدرات” الذي طوّره الاقتصادي أمارتيا صن، إلى جانب مساهمات الباحثة أناماريا لوساردي، الزميلة في معهد ستانفورد لأبحاث السياسات الاقتصادية، لتطوير إطار شامل للقدرة المالية يقوم على خمسة أبعاد أساسية:
المهارات: وتعني تمكين الأفراد من المهارات المالية والرقمية اللازمة لفهم واستخدام الخدمات المالية والتطبيقات الإلكترونية المرتبطة بها.
القدرة على الادخار: وهي عامل حاسم في تعزيز الاستقرار المالي واستغلال الفرص الاستثمارية.

إدارة المديونية: لتقليل الأعباء وتحقيق الاستقلال المالي.

الصمود المالي: عبر وجود احتياطات مثل صندوق طوارئ يساعد الأسر على تجاوز الأزمات.
الصحة المالية النفسية: لتفادي التوتر والضغط المرتبط بالمال، والذي قد يؤدي إلى تفكك العلاقات داخل الأسرة.
هذه الأبعاد الخمسة تتطلب سياسات وطنية دقيقة ومصممة بناءً على دراسات كمية ونوعية لحالة الأسر، لا مجرد قرارات إدارية مثل توطين الرواتب.

الخاتمة

في نهاية المطاف، فإن امتلاك حساب مصرفي وتوفير بنية تحتية مالية تكنولوجية حديثة خطوات مهمة، لكنها غير كافية ما لم تترافق مع جهود حقيقية لتعزيز القدرات المالية للأسر، الانتقال من مفهوم «الشمول المالي» إلى «القدرة المالية» يُمثل تحوّلاً جوهرياً في التفكير التنموي؛ فهو لا يكتفي بتوفير الأدوات، بل يهتم بما يمكن للناس فعله بهذه الأدوات، وهنا تبرز ثورية نموذج أمارتيا صن، الذي يضع تمكين الإنسان في قلب العملية التنموية، وهو ما تحتاج إليه المنطقة العربية بشدة إذا ما أردنا تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وشاملة.
CNN News

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …