
مساعد رئيس تحرير CNN الاقتصادية
تُفتتح الدورة الثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 سبتمبر 2025 الجاري، بينما ستعقد المناقشة العامة الرفيعة المستوى من 23 إلى 29 من الشهر ذاته، ومع بلوغ الهيئة الأممية الأعرق تاريخياً عامها الثمانين تواجه أزمة تمويل حقيقية مع بخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعهود في تمويل مثل هذه المؤسسات، فخلف البريق والأضواء أزمة سيولة وتمويل تهدد بإفلاس بيت التعاون الدولي العريق.
ومنذ تأسيسها عام 1945، مثلت الأمم المتحدة السقف الأعلى للتعاون الدولي، وهي اليوم تضم 193 دولة عضواً، ما يجعلها الإطار الأكثر شمولاً على مستوى العالم.
غير أن هذه الشمولية تأتي بكلفة مالية وتنظيمية كبيرة، ينعكس أثرها في ميزانية المنظمة، وفي قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المتشعبة في السياسة والأمن والتنمية وحقوق الإنسان والإغاثة الإنسانية.
ومع حلول 2025، تبدو الأمم المتحدة في وضع مالي حساس، إذ بلغت ميزانيتها العادية نحو 3.7 مليار دولار، بينما وصلت ميزانية عمليات حفظ السلام إلى ما يقارب 5.6 مليار دولار، وهي ميزانية منفصلة تُموّل وفق معادلات مختلفة.
تعتمد الأمم المتحدة في تمويلها على ما يُعرف بالمساهمات الإلزامية التي تُحدد وفق معادلة تأخذ في الاعتبار حجم الناتج المحلي الإجمالي والدخل الفردي والديون الخارجية للدول.
هذا النظام يضمن أن تتحمل الدول الغنية نصيباً أكبر من العبء، بينما تخضع الدول الأقل دخلاً لحد أدنى من المساهمات قد لا يتجاوز 0.001% من الميزانية، وفي المقابل يُفرض سقف أعلى على حصة أي دولة عند 22% من الميزانية العادية، وهو الحد الأقصى الذي تدفعه الولايات المتحدة بالفعل.
تأتي بعدها الصين التي تغطي نحو 20% من الميزانية، ثم اليابان بنحو 7%، فيما تتوزع النسب الباقية على بقية الأعضاء، أما ميزانية حفظ السلام، فتُموّل من خلال صيغة إضافية تلزم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بدفع حصص أكبر لتعويض الدول الأقل قدرة.
لكن التمويل لا يقف عند هذا الحد، فهناك أيضاً المساهمات التطوعية، وهي موارد ضخمة لكنها غير مضمونة، تُوجَّه غالباً إلى برامج الأمم المتحدة المتخصصة كاليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
هذه المرونة تمنح الدول المانحة قدرة على توجيه مواردها حسب أولوياتها، لكنها في الوقت نفسه تخلق تفاوتاً في استقرار التمويل، وتجعل بعض الوكالات أكثر اعتماداً على سخاء المانحين من التزاماتهم الإلزامية.
طريقة تحصيل الأموال تبدو واضحة في اللوائح؛ تصدر الأمم المتحدة خطابات تقدير سنوية لكل دولة، ويطلب من الأعضاء السداد خلال ثلاثين يوماً من استلامها، ليُعتبروا ملتزمين في الوقت المحدد.
لكن الواقع يكشف أزمة متكررة في السيولة، إذ تتأخر بعض الدول في الدفع، أو تمتنع عن السداد لفترات طويلة، وهو ما يضع المنظمة أمام تحديات تشغيلية مثل تجميد التوظيف أو تأجيل أنشطة ميدانية.
هذا الوضع تكرر عام 2025، حين تأخرت الصين في دفع مساهمتها، فيما واصلت الولايات المتحدة الضغط عبر الكونغرس لتحديد سقف مساهمتها في حفظ السلام عند 25% فقط، رغم أن التزاماتها الرسمية تصل إلى أكثر من 26%.
الميثاق الأممي يضع عقوبات واضحة في مثل هذه الحالات، فالمادة 19 تنص على أن أي دولة تتأخر عن دفع مساهماتها بما يعادل أو يتجاوز متأخرات سنتين، تفقد حقها في التصويت داخل الجمعية العامة.
ورغم أن هذا النص يُطبق بالفعل، فإن الجمعية العامة قد تستثني بعض الدول إذا ثبت أن تأخرها عن الدفع يعود إلى ظروف خارجة عن إرادتها، كما حدث مع دول صغيرة في إفريقيا وأميركا اللاتينية، لكن في حالات أخرى، مثل فنزويلا في السنوات الماضية، جرى حرمانها من التصويت حتى تسوية التزاماتها.
هذا المشهد المالي يكشف معضلة أكبر؛ الأمم المتحدة بحاجة إلى إصلاح مالي عميق، فالتوازن بين المساهمات الإلزامية والتطوعية لم يعد كافياً لضمان استدامة عملياتها، خصوصاً في ظل الأزمات العالمية المتفاقمة مثل الحروب والكوارث المناخية وتزايد اللاجئين.
كما أن الاعتماد الكبير على عدد محدود من المانحين الكبار يجعل المنظمة عرضة للابتزاز السياسي، حيث تستخدم بعض الدول ثقلها المالي لفرض أجنداتها أو تعطيل قرارات لا تخدم مصالحها.
إن مستقبل الأمم المتحدة يتوقف على إيجاد حلول مبتكرة لتجاوز أزماتها المالية، من بين المقترحات التي يناقشها خبراء التمويل الدولي، إنشاء صندوق احتياطي دائم يخفف من أثر تأخر المساهمات، أو إصدار أدوات تمويل جديدة مثل السندات الأممية، أو حتى بناء شراكات مع القطاع الخاص لتغطية بعض الأنشطة التنموية.
لكن يبقى الأهم هو تعزيز الشفافية في كيفية إنفاق الأموال، بما يعزز ثقة الدول الأعضاء ويمنع بعض الحكومات من التذرع بسوء الإدارة للتهرب من التزاماتها.
في المحصلة، تقف الأمم المتحدة اليوم عند مفترق طرق خطير؛ فهي من جهة لا تزال الإطار الوحيد القادر على جمع العالم تحت سقف واحد، ومن جهة أخرى تواجه تحديات مالية تهدد بفعالية هذا الدور.
وإذا أراد المجتمع الدولي أن يحافظ على هذه المنصة، فلا بد أن تتحول المساهمات المالية من التزام سياسي قابل للتفاوض إلى التزام وظيفي لا غنى عنه لاستمرار النظام الدولي نفسه، فالأمم المتحدة، رغم كل عثراتها، تظل المؤسسة التي تمنح صوتاً للجميع، ومن دون دعم مالي منتظم وشفاف قد تتحول من لاعب مركزي إلى مجرد رمز تاريخي بلا فعالية.
CNN News
مجلة 24 ساعة