الرئيسية / صحافة ورأي / عبد الحي أديب بين الكلاسيكيّة والحداثة

عبد الحي أديب بين الكلاسيكيّة والحداثة

القاهرة – هيام الدهبي

«رحلة نصف قرن من السينما، عاصرها عبدالحي أديب منذ انطلاقه مهنياً في العام 1958، فعايش المناخات السينمائية كافة، وزامل نجوم ومعلمي وأساتذة الفن السابع في جميع المستويات المهنية والحرفية والأداء التمثيلي، وكذلك التحولات الاجتماعية والسياسية التي صاحبت السنوات الطويلة قي الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين».
هكذا وصف الكاتب والناقد السينمائي إبراهيم الدسوقي – في كتابه «عبد الحي أديب بين الكلاسيكية والحداثة»، الذي صدر حديثاً ضمن سلسلة آفاق السينما عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، ويقع في تسعة فصول- السيناريست والكاتب عبد الحي أديب (1928-2007). فبقدر ما كانت الكتابة السينمائية هي الشغل الشاغل لأديب خلال سنوات التحوّلات الفكرية والمتغيرات السياسية من حوله، إلا أنه قدّم نفسه خلال كل فترة طرحها ما يغوص فيه المجتمع من حوله.
أديب هذا الرجل الذي وصل إلى محطة السينما المصرية كي يكتب القصة أو السيناريو أو الحوار، جاء وسط كوكبة من نجوم هذا الحقل: يوسف جوهر – أبو السعود الإبياري – علي الزرقاني – نجيب محفوظ – السيد بدير، لكنه مع ذلك، صنع لنفسه شكلاً وإيقاعاً مميزين وخاصّين به، وانعكست أفكاره عبر النصوص السينمائية التي شكّلت سينما عبد الحي أديب وتميّزها بخاصة، بقدراته على اختيار عنصر المكان وانعكاساته على الإنسان وسلوكياته والمحركات النفسية والإنسانية والحياتية – وفق رأي الكاتب. لقد كانت رحلة عبد الحي أديب طويلة منذ البداية وانطلاقه مهنياً 1958 وحتى الوفاة 2007.
مع البدايات، حاول أديب أن يؤكد تميّزه في ما يكتبه من نصوص فيلمية، بداية من الفكرة وشكلها، وصولاً الى أهمية المكان في عمله. «فالدراما عنده تعتمد على كيفية اختيار المكان -ملعب الأحداث- وعلاقته بالأشخاص ومدى تأثير وتأثّر المكان بالأفراد. وظهر هذا جلياً في فيلمه الأول «باب الحديد»، من إخراج يوسف شاهين». ويكمل الدسوقي: «إذن فإن أحد مفاتيح شخصية أديب لكتابة السيناريو، يكمن في قدرته على اختيار المكان الرئيس للأحداث ليدفع فيه أحداثه وشخصياته وعلاقاتها وصراعاتها عبر الزمن، ورصده مجتمعاً من الشرائح المهمّشة في قاع المدينة، كما صوّره في فيلمه «امرأة على الطريق»، من إخراج عز الدين ذو الفقار».
ويرى الدسوقي أن من الأمور المهمة في مسار أديب، قدرته الفائقة على إيجاد صيغة وأفكار متجددة فنية يمكن أن تخدم السينما بشكل عام، من دون حدود أو ضوابط، ومن دون أن تتطابق بالضرورة مع ما ينتج ويضخّ في قوالب السينما المصرية. فقد كانت القضايا الاجتماعية والهموم السياسية هي الشغل الشاغل في ما يطرحه أديب من أعمال سينمائية.
قدّم عبد الحي أديب خلال مسيرة حياته الفنية، حوالى مئة فيلم، منها 36 عملاً سينمائياً مع المخرج نيازي مصطفى (1958-1985)، أي على مدار 27 عاماً، وانتمت الأفلام الى نوعيات كثيرة ومختلفة ككاتب سيناريو فقط أو ككاتب سيناريو وحوار أو مضافاً إليهما القصة ذات المضامين المهمة على الصعيد الإنتاجي والفكري. غير أنه لم يبتعد كثيراً عن السينما التجارية، في أفلام حققت التوازن بين الصنعة ووضوح الهدف ولو بشكل بسيط أو عفوي، فكانت هناك مثلاً أفلام الحركة ذات الطابع البوليسي: «سواق نص الليل»، «سلطان»، «أبو حديد»، «النصاب»، «آخر فرصة»، «أنا الهارب»، و»المشاغب». أو أفلام الكوميديا والاستعراض: «سر طاقية الإخفاء»، «جوز مراتي»، «الساحرة الصغيرة»، «العريس يصل غداً»، وصولاً الى «عريس بنت الوزير»، «إنت اللي قتلت بابايا»، و»سفاح النساء». كذلك، هناك أفلام أخرى تحمل مضامين اجتماعية أو دراما نفسية، مثل «فضيحة في الزمالك»، «دماء على النيل»، «كنوز»، و»بلا رحمة». فضلاً عن أفلام تهدف إلى إيصال مضمون وطني وسياسي، مثل «سمراء سيناء»، و»الجاسوس»، و»فارس بني حمدان»، و»العميل77»، و»تل العقارب».
ولم يقدم عبد الحي أديب مع يوسف شاهين سوى فيلمين فقط، هما الناجح جداً «باب الحديد» 1958، والمنسيّ تماماً «نداء العشاق» 1960. كما قدّم فيلماً واحداً مع حسن الإمام، هو»لا تتركني وحدي» 1975، وتعاون مع غالبية المخرجين مثل عاطف سالم، الذي قدّم معه واحداً من أهم أفلامه وأشهرها «أم العروسة» 1963، وأشرف فهمي وبركات وكمال الشيخ وإيناس الدغيدي وغيرهم. وكان آخر ما قدّمه الى السينما، فيلماً من إخراج ابنه الأصغر عادل أديب، وإنتاج ابنه الأكبر عماد الدين أديب هو «ليلة البيبي دول» 2007.
ويلفت الدسوقي النظر إلى أنه لم يتمكّن من متابعة ورصد الأفلام التي قدّمها أديب الى السينما التركية.
ويختتم الناقد السينمائي إبراهيم الدسوقي قائلا: «هي إذاً اختيارات عبد الحي أديب المحبّبة إليه، والتي وجدها قريبة منه، نصاً وثقافةً وفناً، وتذوّقها وكانت لها النصيب الأوفر في إنتاجاته السينمائية التي شكّلت جزءاً من ملامح سينما عبد الحي عبر زمنه، شارك فيها مبدعاً ومجدداً للنصوص السينمائية – السيناريو – نقل فيه جزءاً من ذاته وإبداع مكوناته وتواجده داخل مساحة وحقبة وطنية، والبحث الدائم عن السينما التي يعشقها ويفرد لها كل وقته وأفكاره».

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.