تأصيل تاريخي
الفصل الأول من الكتاب يُخصّصه صاحبه للتأصيل التاريخي لمدرسة الاستشراق الهولندية، من خلال قسمين اثنين؛ يتناول في الأول منهما الدراسات العربية في هولندا وعلاقتها بالتأثير الاجتماعي، ويرصد في الثاني دور عائلة جوينبول الاستشراقية وسليلها غاوتيير جوينبول في جمع المخطوطات وحفظها. ويتبين لنا من خلال هذين القسمين أن محاور اهتمام الاستشراق الهولندي تراوحت بين تجشّم عناء السفر لجمع المخطوطات وحفظها، وضع الدراسات الاستشراقية، طباعة الكتب، تدريس اللغة العربية، تخصيص كراسٍ جامعية، وإنشاء الكليات والمعاهد المهتمة بالدراسات الاستشراقية. وهذه المحاور لا تختلف في تبرير الاهتمام بها عن التبريرات الأوروبية المعروفة، الدينية والمنفعية والاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية، ممّا يمكن وضعه تحت عنوان واحد هو العنوان الاستعماري. وفي سياق المنطق التبريري، تتعدد المبرّرات وتتراوح بين: فهم أفضل للغة العهد القديم، مواجهة الإسلام، تسهيل تعلم العبرية، تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين هولندا والعالم الإسلامي، والتعرف إلى الآخر الشرقي، وغيرها. على أنه، وبمعزل عن الأهداف والمبرّرات، فقد تمخّضت هذه الحركة عن نتائج متقدمة وخدمات جُلّى للتراث العربي والإسلامي المخطوط. فنقرأ في العرض التاريخي المختصر لنشأة المدرسة الاستشراقية الهولندية وتطورها مجموعة من الوقائع التاريخية التي تعكس أهمية هذه المدرسة، من قبيل: بدء الدراسات الاستشراقية في جامعة ليدن عام 1591 بعد ستة عشر عاماً فقط على تأسيسها، تأسيس المعهد الهولندي للشرق الأدنى المرتبط بالجامعة عام 1939، ترشيح توماس إربينيوس أوّلَ أستاذ لغة عربية فيها عام 1613، قيام الطالب الألماني ليفينيوس فارنر ألف مخطوطة شرقية آلت جميعها إلى الجامعة بعد موته عام 1665، تزويد العامل الدبلوماسي جاكوبوس غوليوس الجامعة بمخطوطات عام 1625، وقوف عالم النصوص مايكل يان دي خويه وراء طباعة تاريخ الطبري في عام 1897، وتأسيس كراس للغة العربية في جامعات أمستردام وأوتريخت ونيميخن الهولندية، ناهيك بالدراسات المختلفة وسواها من الوقائع المهمة التي لا يتسع المقام لها.
في السياق نفسه، يُفرد الدارس القسم الثاني من الفصل الأول للجهود التي قامت بها عائلة جوينبول الاستشراقية، وهي عائلة أرستقراطية هولندية معروفة منذ عام 1629 لعب ستة أفراد منها على الأقل أدواراً مؤثرة في الدراسات الإسلامية والشرقية، بدءاً من عالم اللاهوت ثيودور جوينبول الذي جمع بين تدريس اللغتين العربية والعبرية في جامعة ليدن. على أن مطر يولي اهتماماً خاصاًّ بالجهود التي بذلها سليل العائلة غاوتيير جوينبول؛ وتتمظهر في: القيام بأمانة قاعة المطالعة الشرقية في ليدن، دراسة أدب الحديث النبوي وتطوره، دراسة أصل الإسلام، نشر كمٍّ كبير من الكتب ذات الصلة، وضع موسوعة الحديث النبوي، والتبرّع بأملاكه لإنشاء مؤسسة جوينبول الهادفة لدراسة اللغة العربية والإسلام. وبذلك، يحقق حيدر قاسم مطر هدفه في رسم صورة مشرقة للاستشراق الهولندي تتخطى المنطلقات التأسيسية المشتركة مع الاستشراق الأوروبي، وتتمخّض عن خدمة كبيرة للتراث العربي، من حيث يقصد المؤسسون أو لا يقصدون.
مخطوطات وقصاصات
الفصل الثاني من الكتاب هو عمل بيبليوغرافي – وصفي. يتناول فيه الدارس بالوصف مجموعة من المخطوطات والقصاصات والأفلام والمواد والرسائل؛ ففي المخطوطات، يصف ست عشرة مخطوطة، تشتمل الواحدة منها على نص واحد في الحد الأدني وستة نصوص في الحد الأقصى، وتتراوح موضوعاتها بين اللغة والدين والتاريخ والفقه والشعر والنقد والقافية والبلاغة والنحو وسواها من الحقول المعرفية المتصلة باللغة العربية. ويتناول في وصفه عدد النصوص، وهوية الورق، ونوع الخط، ولون الحبر، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة، وإخراج النص…، وسواها من التفاصيل الشكلية المعبرة عن مضمون ما. ومن العناوين التي نقع عليها في هذا السياق، على سبيل المثال: “دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار” لمحمد بن سليمان الجزولي (ت 1464م)، “منحة السلوك في شرح تحفة الملوك” تعليق محمد عبد اللطيف بن الملك (ت 1450م)، “الفقه الأكبر” لأبي حنيفة النعمان، “كفاية المتحفظ في اللغة” لأبي إسحق ابراهيم بن اسماعيل الطرابلسي (القرن الثاني عشر الميلادي)، كتاب في علم القافية لمحمد بن يعقوب الكومي (ت 1407م)، وغيرها.
وفي القصاصات، يتناول الدارس بالوصف ستاًّ وأربعين قصاصة في موضوعات مختلفة، وتتراوح بين الرسالة والاستشارة والجدول والنص والتميمة والدعاء والشعر وغيرها، ويصف ما يتعلق بشكل القصاصة من ورق وخط وحبر وإخراج وسواها من مظاهر مادية، وما يتعلق بمضمونها من نوع أدبي وحقل معرفي ولغة كتابة وغيرها. وفي الأفلام المصغرة، يتناول الدارس سبعة أفلام، يبين رقم الحفظ ومكانه وتاريخه ومحتواه. إضافة إلى مواد مخطوطات ومواد أرشيفية مختلفة نقلت من مكتبة جوينبول إلى مكتبة ليدن في أوقات مختلفة. وبذلك، يقدم مطر عملاً بيبليوغرافياً يشكّل قيمة مضافة إلى الكتاب، ويعزز مصداقيته العلمية.
“مدرسة الاستشراق الهولندية” يكسر الصورة النمطية السلبية للاستشراق، ويحفل بالمعلومات التاريخية الموثقة والوصف البيبليوغرافي الدقيق، ويضيف جديداً إلى مكتبة الاستشراق العربية، ولا يعود قارئه من الغنيمة بالإياب بل بالمتعة والفائدة.
Independent News
مجلة 24 ساعة
