الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (39)
الترابي والرشيد وقوانين السودان !
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (39)
الترابي والرشيد وقوانين السودان !

لم يكن منزل قاضي القضاة خلف الله الرشيد يبعد كثيرًا عن مبني النائب العام. مشينا معاً انا و الدكتور حسن الترابي الى منزل القاضى الفاضل، حكي لى فى الطريق أن لقب قاضى القضاة أُستحدث فى عصر خلافة الرشيد ليتولى نيابة عن الخليفة الإشراف على قضاة الدولة وسيرتهم الوظيفية. وفي عصره، تولى هذا المنصب القاضي أبو يوسف الأنصاري تلميذ الإمام أبي حنيفة. وقد منحه  كامل ثقته، فكان تعيين جميع قضاة الدولة راجعاً إليه. واستمر المنصب في تطور مستمر طيلة العهد العباسي، وكان خير مثال على وحدة ومركزية الإدارة القضائية العربية، فجميع قضاة الدولة العربية في المشرق والمغرب يرتبطون بشكل أو آخر بقاضي القضاة في بغداد.

استقبلنا قاضى القضاه بنفسه على مدخل منزله ببذلة كحلية اللون يطل من جيبها منديلًا أزرق منقط بالأبيض كلون قميصه، فلقد عُرف خلف الله الرشيد بالذوق العالي في إختيار القمصان والكرافتات. إنعكس هذا الذوق الجميل أيضا على منزله. فى صالون منزله الغالب عليه اللون السماوي، تنافست الوسائد بانسجام الوانها فى تناغم مُتَّكَأَ أراح ظهورنا. الشاي السوداني بالقرفة مع بسكويت النشادر والمِنين كانوا البداية كأول مظاهر للضيافة. حدثني عن حرصه واهتمامه بمشروع طباعة ” قوانين السودان” فهو مشروعه الأخير، فالرجل أحد رموز السودان القانونية وفى طريقه للتقاعد. وعدته ببذل الجهد ووضع خبرة السنين لكي تخرج القوانين بأبهى وأفضل صورة تليق بالجهد الذي بذله الرجل الذي تمتع بتجربة وطنية ثرَّية وعقل راجح. تميز بدماثة الخلق وصفاء النفس وتواضع العلماء وأدب الكرماء وحب الخير للناس والوطنية.

انجذبت لرصانة خلف الله الرشيد التي تخفي تحت جديتها حنكة وخبرة ووقار، خفة ظل وحب للدعابة..

حدثني عن زملائه في الدراسة دفع الله الرضي وحسن الترابي وأحمد أمين صالح وميرغني النصري وكمال الدين عباس والصديق المشترك منصور خالد.

وقار القاضى لم يمنعه من تذوق أغاني حقيبة الفن أو الإستماع في هدوء إلى أحمد المصطفى وعبد العزيز محمد داؤود وعبد الكريم الكابلي. وقار القضاء كذلك لم يمنعه من التعصب للفنان عثمان حسين من بلدة ( مقاشي) التي أنجبت خلف الله الرشيد، والصحفي الراحل الشهيد محمد طه محمد أحمد الذي يمُتّ بصلة القرابة إلى خلف الله الرشيد. خلف الله الرشيد محبّ للأدب والقانون وهو القارئ المتمعِّن. هو من الإسلاميين المعتدلين الذين مزجوا في حكمة بين قيّم الإسلام والحياة الحديثة. إلى جانب حبّ الفن الرصين وإيقاع (التم تم) الشعبي، كان من هوايات خلف الله الرشيد كرة التنس والسباحة وتشجيع (الهلال).

 ***

وقال لقد ورث السودان نظاماً قضائياً متميزاً بشقيه المدني والشرعي منذ مطلع القرن العشرين، فعند انتهاء حكم المهدية آلت الدولة للحكم الثنائي المصري الإنجليزي، وأسس الانجليز نظاماً قضائياً مدنياً وجنائياً محكماً سادت فيه العدالة الشكلية والموضوعية على أساس القانون الوضعي. وأسس المصريون نظام الأحوال الشخصية على هدى الشريعة الاسلامية، كل نظام يعمل في سياق منفصل عن الآخر.

لقد كان خلف الله الرشيد ثمرة من ثمرات الذين سبقوه، فقد نشأ في مناخ عدلي صحيح لا يجد الحصيف والظلم والميل اليه سبيلا وقد إتسم أداؤه كغيره من أولئك الرجال بالدقة والتميز فقهاً وعلماً، لذلك عندما أُختير رئيساً للقضاء لم يكن ذلك إعتباطاً بل لما توفر فيه من صفات. وأثبتت التجربة أن خلف الله مثاّل ونموذج للقاضي الورع الصالح في أعظم ممارسة إمتدت لسنوات.

***

لم تتوقف ضيافة القاضى الكريم عند أكواب الشاي السوداني بالحليب والقرفة، فقد أصر على أن نتناول طعام الغذاء معا. وامتدت طاولة عليها كل ما تشتهي النفس من الأكلات السودانية بعضها قريب من الطعام المصري والآخر شرح لى الترابي مكوناته: “المسلمية” طبق شهي من الكبد والبهارات والطحين والتمر و”المفروكة ” من اللحم المقلي المنكهه بأشهر البهارات والتوابل السودانية مع الفلفل الأسود والزيت والثوم والبصل والسبانخ، ” أم تشكو” و “العفوص” نوع من أنواع السلطات السودانية، وأنواع من العصائد أو الحساء والشوربة مثل” الميريس” من البامية المجففة والبصل مع مزج دهن الغنم، وحساء      “الشارموت” من اللحم المجفف مع البهارات. أما صنف الحلو فهو “سمرونا” أشبه بالبسبوسة و” مديدة الحلبة” والأرز باللبن.

أنواع وأنواع من المأكولات السودانية -لامجال هنا لعرضها وشرح مكوناتها – زخمت بها مائدة قاضى القضاة، لذيذة ولكنها مغلفة بكل ماهو “حار”، فكان لابد أن أسأل مضيفي عن سر إستخدام الفلفل الحار فى كل المأكولات السودانية. وجاءت اجابة الرشيد طريفة، فليس من قبيل المصادفة تقديم أطباقاً لاذعة مع المناخ الحار، فقبل إستخدام التبريد الكهربائي، كانت الحرارة تتسبب بفساد الطعام، والعديد من التوابل المستخدمة التي تعطي الطعام لذعته لها دورًا فى حمايته من نمو البكتريا والفطريات بنسبة 75%، بالاضافة لدورها فى تقوية جهاز المناعة وخفض خطر الإصابة بالنوبات القلبية والإنسداد الرئوي والسكتة الدماغية. وأشياء أخري كثيرة لو إعتقدت فيها وآمنت بها لعُدت لمائدة الطعام، ولكني فضلت الإنصراف بعد تقديم فرائض الشكر لواحد من أهم الشخصيات المؤثرة فى تاريخ السودان الحديث. خرجت باحثا عن نهر النيل لعله يطفئ حرارة الجسم، ويشفي قمة رأسي وهي على وشك الإنفجار، ولكني توجهت لفندقى إستعدادًا للسفر والعودة للندن لأبدأ طباعة قوانين السودان.

وأكمل رحلتي فى غربتي الثانية ..
عدت للندن ولمكتبي الذي وضعت عليه جومانة Jumana سكرتيرتي مئات الرسائل وقائمة طويلة من الإتصالات التليفونية لفت نظري منها أولهما من مدير العلاقات العامة بشركة “سكر كنانة” Kenana Sugar Company بالسودان، الذي حضر خصيصًا من السودان للقائي ومناقشة تنفيذ خطة دعائية للشركة التى تمتلك 73 الف هكتار لزراعة قصب السكر على الضفة الشرقية من النيل الأبيض برأسمال عربي مشترك معظمه من الكويت والإمارات ونسبة لاتتعدى 5.59% للسودان. والرسالة الآخري من الصديق اللبناني نبيل كازان الخبير الإعلاني يطلب تحديد موعد للقاء الإعلامي اللبناني فؤاد مطر الذي أسس شركة للنشر تحمل اسم هايلايت للنشر  HIGHLIGHT وهو بصدد اصدار مجلة سياسية تحمل اسم     “التضامن”، وشعارها ” مجلة العرب من المحيط للخليج”، ويريد الإستعانة بى فى إصدارها.

” بركاتك مولانا خلف الله الرشيد كما يطلق عليه السودانيون”.

نطقت بها بالعربية، وتعجبت السكرتيرة الإنجليزية لردّة فعلى التى لم تفهم منها شيئا. وقد جاء أول الخير بعد عودتي من السودان ولقاء قاضى القضاة، بالتعاقد على تصميم شعار تَصَّدْر كل المواد الدعائية والمطبوعات لشركة كنانة ومصنعها الذي سُمي نسبة لمدينة كنانة وسكانها من قبيلة كنانة، لتكون جاهزة فى إستقبال الرئيس النميري وضيوفه من كل أنحاء العالم عند افتتاحه للمشروع في مطلع عام 1980. وجاء الخير التالي مع الرسالة الثانية التى حملتها جمانة وكُللت بلقاء فؤاد مطر والإتفاق على التعاون لإصدار مجلته ..

ونتابع معاً ونترقب صدور العدد الأول من ” التضامن” …

مودي حكيم

 

شاهد أيضاً

«الطبيب الروبوت» والاستشارات الذكية

  تسألت فى مقالي السابق عن محاولة الصين أعادة صياغة النظام العالمي بالروبوتات ، ومدي …