السبحة الطويلة, لا تفارقُ أصابع الحاج سليم الصيداوي الغليظة. يدحرج حباتها, ثم يمسكها واحدة واحدة… شفتاه تتمتمان من دون صوت.
والحاج سليم يتباهى بسبحته, ويتشاوف بها على السبحات الأخرى. ومن دون أن تسأل, يخبرك, وهو يتأمل دقة صنعها بأنها أصيلة مؤصلة, تحمل إسم “بيلاجيك”, الولاية التركية التي تُنتج فيها, وهي, يزيدك الحاج سليم علماً, تابعة لقضاء “عثمان إلي”, ويعتد بنفسه و بسبحته, فهي يُصنع منها 12 ألف سبحة شهرياً, وسوقها السعودية!
وإن كنت حفظت تاريخ سبحة الحاج سليم, “الأصيلة المؤصلة”, عن ظهر قلب, من كثرة ما سمعتها منه, فعليك أن تُظهر دائماً إهتماماً, مخافة أن “يزعل “الحاج, وتُلبِس وجهك الدهشة من “سعة إطلاعه”, كأنك تسمع تلك المعلومات للمرة الأولى.
و رشفة “مُنغمة” من كوب الشاي المطرزة حوافه, أرهف أذنيه لها, جحظ بعينه الى وجهي, ولم يلبث أن تدفقت كلماته, وهو يلمس زبيبة الصلاة على جبينه:
“الصبر… الصبر يا أستاذ… كل شيء بأوان”.
وينتحل العذر, برقة بالغة, وصوت مهموس:
“الأمر ليس سهلاً, يجب ترتيب مرورك الآمن مع الجماعة”.
وضغط على يدي. إنتفخ كِبَراً و هو يضرب يده على صدره:
“ولا يهمك… طلبك عندي, سأرتب كل شيء في أقرب وقت”.
و قلب كوب الشاي في جوفه دفعة واحدة. ربّت على كتفي, أحسست أنه يلاحقني بنظراته, وأنا أستسلم للشارع.
***
تَكاسلت شفرة الحلاقة في قضم الشعيرات التي مدّت رأسها الرفيع من مسام جلد وجهي. مررت بأصابعي على وجهي المرتسم على المرآة, كأني أراه لأول مرة. حَفَرَ الهمُّ والتعب خطوطاً تحت عيني.
خواطر مثل الومض برقت في رأسي, إستولى عليَّ الخوف. الخوف من البقاء في بلد يموت ببطء كل يوم, وما عاد آمناً لي ولعائلتي, بعدما إخترق “صاروخ”, لا أعرف من أين أُطلق, غرفة نوم أبنائي شريف وشيرين, وكاد أن يودي بحياتهما. والخوف, أيضاً, من الرحيل, ومن دروبه المزروعة بالشوك, ومن الذئاب المتربصة على المفارق. وإذا كان صحيحاً، أنك لا تستطيع قهر الموت, فليس صحيحاً, أيضاً, أنك تستطيع أن تقهر خوفك منه.
وما زاد من قلقي وإضطرابي, أنني لأول مرة, بعد سنوات ست في لبنان, من العمل والبحبوحة, أصبحت “عاطلاً عن العمل”. فمجلة “الديار” التي كانت تأتي بالكفاف, إحتجبت… كان هدف ياسر هواري من إصدارها, مزاحمة مجلة “الحوادث” المعترضة على الفلسطينيين والسوريين, و”الأسبوع العربي” التي تساير اليمين, و”الصياد” التي باتت بين المطرقة والسندان, فماتت “الديار” في منتصف الطريق, ولم تسطع أن تُشكل تميزاً, أو, إضافة, وما كان ياسر هواري يسميها “صحافة الحقيقة الموضوعية”, إعتبرها القراء “صحافة الماء, لا لون لها ولا طعم ولا رائحة”, فأعرضوا عنها, فلم تحقق “الديار” الإنتشار والذيوع, الذي كان أمل هواري بهما.
وقبل أن أُبلغه أنني عزمت على ترك لبنان, والعودة الى مصر, أبلغني أنه سيرحل, هو الآخر, ويترك بيروت التي أَحَب, وإعتبرها, كما كان يردد دائماً، “جوهرة على تاج المدن العربية” و الى باريس.
***
مضى يومان على وعد الحاج سليم الصيداوي, فثلاثة, فأربعة… راح التوتر يأكل من أعصابي, الأفكار المختلفة و المتقطعة تنتاب مخيلتي, أخفي توجسي وقلقي عن زوجتي و أولادي.
في الخارج أزيز رصاص, ودوي إنفجارات, وأصوات عويل, وعتمة, وقناديل, وشح ماء, ومعارك مع السوريين, ومع الفلسطينيين. “أمل” تحاصر المخيمات, والمخيمات ترد, و”الحركة الوطنية”, وهي ململمات من الأحزاب اليسارية, ترد على “أمل”, وعلى السوريين، وتحارب “القوات اللبنانية” في الجبال والقرى, والخطف مستمر, والحواجز تُنصب على المفارق, والجثث المُنكّل بها والمُمثَل على قارعات الطرق, و بيروت تنزف, تئن من الوجع و… تشتهي الخلاص, وصوت صديقي الودود, شريف الأخوي, يلعلع, يحذر, يدَل, يرتجى أخذ الحيطة, و يرسم دروب الأمان للناس “الناطرين الفرج”.
ولطالما أعجبت باللبنانيين, وثباتهم, فالأزمات باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم, يتأقلمون معها, ويتغلبون عليها في النتيجة مراراً عديدة. ومرة إحتسبت سنوات الأزمات التي مرّت على لبنان واللبنانيين, مقارنة مع سنوات الإستقرار منذ الإستقلال, فوجدت أن أزمة “التجديد” للرئيس بشارة الخوري, دامت ما يقارب أكثر من سنة, و إنتهت بحركة شعبية عارمة سنة 1952. وشهدت السنة الأخيرة من ولاية الرئيس كميل شمعون في سنة 1958، حوادث إختلط فيها الصراع العربي على لبنان, والصراعات اللبنانية الداخلية. ونشبت صدامات دامية مع الفلسطينيين, في خواتيم عهد الرئيس شارل حلو في سنة 1969, إضافة الى “إتفاق القاهرة” الذي كان أحد مسببات الإحتراب الداخلي الذي إشتعلت شرارته الأولى في سنة 1975, وإستمر الحريق 16 سنة. وكان الإجتياح الإسرائيلي سنة 1982, وما جرّ من تبعات. و على أثر إغتيال رفيق الحريري في شباط 2005، دخل لبنان في دوامة توتر متصاعدة في السياسة وفي الشارع. وإذا ما جمعنا سنوات الأزمات لوصلت الى حدود 37 سنة من أصل 78 سنة منذ الإستقلال.
***
سدَّ الباب شاب طويل القامة, في مقتبل العمر, ترك لحيته, المعتد بها, تعبث بملامح وجهه, وتخفيها… سالت نظراته على وجهي, وأينعت إبتسامة, أراد منها تبديد إستغرابي, تلعثم, غاصب الكلام, تمهل وهو يقول لي, أنه من طرف الحاج سليم الصيداوي, وأنه سيتولى مرافقتنا الى مدينة “صور”… وخلف سيارتي، سيارة نقل تحمل ما نريد أخذه في رحلة العودة الى مصر. إنتفخ بالزهو, إمتص آخر نفس من سيجارته, خرج الدخان من أنفه, لحس شفته السفلى, وراح بمستطيل الكلام يرسم لي الدروب التي سنمر بها, وتبدأ من “الرملة البيضاء” الى “الضاحية الجنوبية”, ومنها الى “طريق صيدا العتيقة” و التي تخترق, مدن “الحدت”, “كفرشيما”, “الشويفات”, الى “خلدة”, و”الدامور” و”الجية”,… إستمراراً الى “صيدا” (عاصمة الجنوب كما يحلو للبعض تسميتها) ثم “صور” حيث مركب السفر ينتظر في مرفأها.
وسحب من جيب سترته, بطاقة من حركة “امل” بإسمي, و ورقة فيها “أمر تسهيل مرور”, بأسمائنا… فأضفتهما الى بطاقات “فتح”, و”الصاعقة”, و”المرابطون”…
لحقت حركة رأسه بعيني وهو يحذرني و ينبهني أن أخفي أي بطاقات في حوزتي, من “جماعة هونيك”… وكان يعني “القوات اللبنانية”, أو, “نمور الأحرار”, أو “التنظيم”, و”حراس الأرز” وحتى “الجيش السوري”, فالمناطق التي سنمر بها, في حرب مع “جيش حافظ الأسد”, كما سمّاهُ متهكماً.
ليلتها, أطبقت عيني بحذر, وتملكني فرح خفي, غامض, إختلط بلوعة الرحيل, وترك بلد نعمت فيه, وأحببته, وأحبّته زوجتي, وتمنت أن تبقى فيه بقية العمر, وعشق أولادي بحره, شطآنه, جباله و… مدرستهما و رفاقهما.
لم يستغرق إعداد حقائبنا كثيرًا ، فقد إستكفت زوجتي في توضيب ملابسنا وحدها, وبينها حشرت تسجيلات اغاني وموسيقي الرحابنة, ومسرحيات فيروز الغنائية (“يعيش… يعيش”, “المحطة”, “هالة والملك”…) , وأشرطة أغاني وديع الصافي, نصري شمس الدين , زكي ناصيف, عصام رجي, ملحم بركات, جوزف عازار، إيلي شويري…
جمعت في صناديق من الكرتون المقوى كل أوراقي التي فيها ملاحظاتي, وإسكتشات رسوماتي, ودفاتر ذكرياتي , والكتب التي جمعتها عبر السنوات (من “مكتبة انطوان” في شارع “الحمرا” باللغتين العربية والإنجليزية, وما كنت أخطفه من أرفف “مكتبة لبنان”, العامرة بأحلى الكتب وبكل لغات الأرض, و”مكتبة وخياط”, والأخرى في “شارع بلس”, التى أسسها أستاذ الأدب العربي في “الجامعة الأمريكية الدكتور أنطون كرم, ومن “مكتبة الحلبي”)… ونسخ من أعداد الصحف والمجلات, والمطبوعات التي عملت فيها. فلم يتردد الصديق الشاعر جهاد قدري قلعجي, في الموافقة على الإحتفاظ بهذه الصناديق في مخازن له و لشركته في “رأس النبع”. وكان جهاد قد أسس “مكتبة النوادر”, في الطابق الأرضي من “مبني ستاركو”, أحد أهم المراكز التجارية في بيروت, يبيع ما ندُر من الكتب.
وقُرَّ رأينا على ترك أثاث المنزل كما هو “على أمل العودة بعد أن تستقر الأمور”, كما تمّنت زوجتي و أصر الأولاد.
ولم نكن نعلم أن حرب السنتين, التى عشنا شراستها, ستتمدد عبر السنوات وتطول 16 سنة.
وكنت اشتريت مفروشات الشقة من شركة Roche Bobois الفرنسية, التي كان لها وكيلاً في بيروت. والشركة أسسها في سنة 1950 الأخوين فيليب وجان- كلود بوبوا , وشريكهما باتريك شوشان Patrick Chouchan , وكانت تستعين بأشهر المصممين العالميين مثل “لويدجي جورجاني”, و”فلاديمير كاجان”, “جان- بول جوتييه” و “ميسوني”, و “صونيا ريكيلمي”…
وبعد يومين فقط من سفرنا, إقتحم مسلحون الشقة, وبمساعدة حسن طبارة, ابن صاحبة البناية, نقلوا المفروشات الثمينة. أما الكتب والمطبوعات والرسومات … فما زالت بحوزة جهاد قلعجي، ولا أعلم إذا التهمتها الأتربة والقوارض، فقد فقدت وسائل التواصل مع قلعجي، وفقدت معها “كنوزي الفكرية”.
***
كانت السيارة , التي زودنا بها الحاج الصيداوي, من طراز “بيجو” Peugeot ربع نقل (كانت كافية لتستوعب حقائبنا, وسامية, مربية الأولاد, التي أصرت ألاّ تفارق الحقائب خوفاً من سرقتها) تسير ببطء خلف سيارتي, يستحثها السائق الشاب, فلم تلبِ, أو هكذا خيِّلَ لي, قلت في نفسي إن في السيارة عطلاً و إلاَّ فَلِمَ هذي البلادة, فهذا الطراز من السيارات الفرنسية لا يألف المهل. لما لا يجاري سرعة سيارتي ويتبعني. فأيقنت أن الشعور الداخلي الذي إستحوذ علي, بأن السيارة تمشي الهوينا, مرده الى التوتر الذي إجتاحني, والهاجس الذي أستحوذ عليّ منذ اللحظة الأولى التي تركنا فيها “شارع مدام كوري”, مما قد نلاقيه في دروب الشوك والذئاب.
كان “الأوتوستراد” “سالكاً وآمناً”, كما قال لي شريف الأخوي لمّا إتصلت به مودعاً, من “رأس بيروت”, و مرورا بشارع “فردان”, ومنطقة “بئر حسن”, ثم “الشياح”, التي تواجه “عين الرمانة” بالمتاريس, وبينهما “خط تماس” طويل. ونقطع “الغبيري”, لنتوغل في مفارق جانبية أدت بنا الى “برج البراجنة”, التي لها تاريخ موغل في القِدَم, حافل بالتغييرات الديموغرافية.
“البراجنة” إسمها يعود إلى ” قبيلة من العرب”, أما البرج الذي يكمل إسمها, فقد بناه البراجنة, وكان أن تحولت تلك البلدة الساحلية, إقطاعية على رأسها الأمير مسعود, من الدوحة “الإرسلانية”. واستمرت “برج البراجنة” لآل أرسلان إلى أن توفي الأمير إسماعيل إبن الأمير يُوسُف إسماعيل إبن الأمير إسماعيل إرسلان سنة 1770من دون عقب, فاوصى بجميع أرزاقه وأملاكه للأمراء الشهابيين الذين كانت تربطه بهم المصاهرة، مما أدى إلى خلافات بين بقية الأسرة الأرسلانيّة، والورثة الشهابيين، ما أدى إلى تدخل آل جنبلاط والأمير منصور حيدر الشهابي حاكم الجبل, و فض الخلاف والإشكال.
أومأ المسلح, الرث الثياب، أراح رشاش “كلاشينكوف” من قبضة يده, أنزلت زجاج شباك السيارة, همس الشاب الجالس الى جانبي في المقعد الأمامي, وقد أصر أن يكون الى جانبي لمساعدتي في التفاهم مع المسلحين على الحواجز:
” الإخوان من جماعة “أمل”, إعطه ورقة تسهيل المرور”.
رفع يده وهتف:
“الله مع الشباب… الأستاذ معه أمر تسهيل مرور”.
مدَّ ابني رأسه من شباك السيارة مبهوراً بالرشاش والقنابل اليدوية المتدلية من حزام ” زنار” ملابسه، أمًا ابنتي فقد أخفت وجهها بصدر أمها.
و لكزني, فسحبت الورقة من جيب سترتي, مدّ المسلح الملتحي رأسه من شباك السيارة, فاحت رائحة عرق جسده, مرّ بعينيه علينا, تناول الورقة, لا أعرف إن كان قرأها, أم إكتفى برمي نظرة عجلى عليها, طواها, قلب شفته السفلى, ثم أعاد لي الورقة, إبتعد الى الخلف, مفسحاً المجال, مررنا وخلفنا سيارة النقل, ولم أتنفس الصعداء إلاّ بعدما تجاوزنا الحاجز بمسافة طويلة.
و حمدت الله.. و أكملت الطريق.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة