الرئيسية / صحافة ورأي / من “الجباية” إلى “التنمية”.. إعادة هندسة دور وزارة المالية في سوريا ما بعد الحرب

من “الجباية” إلى “التنمية”.. إعادة هندسة دور وزارة المالية في سوريا ما بعد الحرب

دكتور جلال قناص
دكتور جلال قناص
أستاذ مساعد في قسم المالية والاقتصاد في جامعة قطر
عد أربعة عشر عاماً من حرب طاحنة استنزفت البشر والحجر، يقف الاقتصاد السوري اليوم أمام مفترق طرق حاسم، لم تعد الأدوات التقليدية لإدارة المالية العامة صالحة للتعامل مع واقع ما بعد الصراع، إن التحدي الأكبر الذي يواجه وزارة المالية في دمشق اليوم ليس مجرد “سد العجز” في الموازنة العامة، بل هو “إعادة تشغيل المحرك الاقتصادي”، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتحول جذري في عقيدة وزارة المالية السورية؛ الانتقال من كونها “وزارة جباية” تهدف لملء الخزينة بأي ثمن، إلى “وزارة تنمية” تقود قاطرة التعافي الاقتصادي.
مفهوم التحول.. من عقلية المحاسب إلى عقلية الاقتصادي
ساد لسنوات طويلة في إدارة المالية العامة مفهوم ضيق يرى في الضرائب والرسوم مجرد أدوات لتمويل النفقات الجارية (رواتب وأجور)، هذه “العقلية الجبائية” في ظل ركود اقتصادي وتضخم مفرط، تؤدي إلى نتائج عكسية؛ فهي تضغط على القطاع الخاص المنهك، وتدفع ما تبقى من رؤوس الأموال إلى الهجرة أو الانزواء في الاقتصاد غير الرسمي (الظل).
التحول نحو “المالية التنموية” يعني استخدام السياسة المالية (الضرائب والإنفاق) كأدوات تحفيزية، بدلاً من رفع معدلات الضريبة على قاعدة ضيقة، يجب على الوزارة توسيع القاعدة الضريبية من خلال تقديم إعفاءات ضريبية ذكية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وللمصانع التي تعيد تأهيل خطوط إنتاجها المدمرة؛ إن دور وزارة المالية يجب أن يكون شريكاً في المخاطرة مع المستثمر، بحيث تكون الرسالة الضمنية: “نحن نساعدك لتربح، لكي نستطيع لاحقاً تحصيل ضرائب عادلة من أرباحك الحقيقية”. التنسيق بين “المالية” و”المركزي”.. ثنائية الاستقرار والنمو
لا يمكن لوزارة المالية أن تعمل في جزيرة منعزلة عن مصرف سوريا المركزي، خلال سنوات الحرب طغت “السياسة المالية” على “السياسة النقدية” (Fiscal Dominance)، حيث اضطر المركزي لتمويل العجز الحكومي، ما أدى لزيادة الكتلة النقدية وتدهور سعر الصرف.
في مرحلة التعافي يجب بناء “عقد جديد” بين المؤسستين يقوم على التنسيق الكامل لا التبعية:
ضبط التضخم: يجب أن تتوقف المالية عن الاعتماد المفرط على التمويل بالعجز (طبع العملة)، والبحث عن أدوات دين حقيقية (سندات خزانة) تجذب المدخرات المكتنزة بدلاً من خلق نقد جديد.
توجيه الائتمان: بينما يقوم المركزي بضبط السيولة، تقوم المالية بتوجيه الإنفاق الحكومي نحو البنى التحتية التي تخفض تكاليف الإنتاج، ما يساعد المركزي في الحفاظ على استقرار الأسعار عبر زيادة المعروض السلعي.
توحيد الرؤية: لا يجوز أن تفرض المالية ضرائب جمركية مرتفعة على مواد أولية، في وقت يحاول فيه المركزي دعم تمويل استيرادها، هذا التناقض يعطل عجلة الإنتاج.
أولوية الإنفاق الاستثماري.. إعادة الإعمار كرافعة للنمو
إن التحول لوزارة تنمية يقتضي تغييراً في هيكل الموازنة العامة، لا يمكن للاقتصاد أن ينمو وموازنة الدولة تذهب جلها للنفقات الجارية والدعم الاستهلاكي غير الموجه، يجب أن تتحول الموازنة لتركز على “الإنفاق الرأسمالي والاستثماري”.
في دولة دمرت الحرب بنيتها التحتية، تعتبر كل “ليرة” تُنفق على إصلاح محطة كهرباء أو طريق تجاري بمثابة استثمار ذي عائد مرتفع جداً (Multiplier Effect)، لأنه يعيد الحياة لعشرات المصانع والمزارع؛ وزارة المالية التنموية هي التي تقيس نجاحها بمعدل النمو الاقتصادي، ومعدلات خلق فرص العمل، وليس فقط برقم الإيرادات المحصلة في نهاية العام.
باختصار استعادة الثقة هي المفتاح
إن الانتقال من الجباية إلى التنمية المستدامة ليس مجرد تغيير في اللوائح والقوانين، بل هو تغيير في “فلسفة الدولة” تجاه مواطنيها ومستثمريها، بعد 14 عاماً من الحرب يحتاج الاقتصاد السوري إلى “صدمة ثقة” إيجابية.
إن وزارة مالية تنموية، تعمل بانسجام مع سياسة نقدية فاعلة ومستقلة، قادرة على تحويل الركام إلى فرص، فالجباية القسرية قد تملأ الخزينة ليوم واحد، ولكن السياسات التنموية هي وحدها التي تضمن استدامة الموارد ومستقبل الأجيال القادمة.

تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …