الرئيسية / صحافة ورأي / قطار الصين الاقتصادي الجامح.. لماذا أصبح الاحتواء الأميركي والغربي متأخراً جداً؟

قطار الصين الاقتصادي الجامح.. لماذا أصبح الاحتواء الأميركي والغربي متأخراً جداً؟

دكتور جلال قناص
دكتور جلال قناص
أستاذ مساعد في قسم المالية والاقتصاد في جامعة قطر

تعد الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين صراعاً هيكلياً تجاوز حدود “الحرب التجارية” ليصبح تنافساً دائماً على قيادة النظام العالمي.

تشير البيانات إلى أن النفوذ الصيني، المدعوم بالاستثمار الحكومي الموجه والسيطرة على موارد العصر، ترسخ بعمق ما جعل من الصعب إيقافه، ويدفع العالم نحو التعايش الاستراتيجي بدلاً من الاحتواء.

1.  صراع النماذج: حرب جيواقتصادية دائمة

ما بدأ كسلسلة من التعريفات الجمركية العقابية عام 2017 حتى اليوم، تحول إلى منافسة جيواقتصادية لا رجعة فيها، محورها التصادم بين نموذج السوق الليبرالي الغربي ونموذج رأسمالية الدولة الموجهة الصينية، فواشنطن لا تسعى فقط لتعديل الميزان التجاري، بل تطالب الصين بإصلاحات جذرية تتعلق بتغيير نظامها الاقتصادي وإصلاحات بالتجسس الصناعي، وحماية الملكية الفكرية، ونظام الإعانات الحكومية الضخم.

لقد أثبتت هذه المنافسة عبر الرسوم الجمركية أنها تلحق ضرراً بالطرفين، حيث تسببت في عدم استقرار تجاري وأثرت على سلاسل التوريد، غير أن التقديرات تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون هي الطرف الأكثر تضرراً نسبياً، إذ تؤدي زيادة الحواجز التجارية إلى خسارة مزايا التقسيم الدولي للعمل، ما يرفع الأسعار على المستهلكين الأميركيين.

وفي المقابل، تُظهر الدراسات أن الصين ستتأثر بدرجة أقل، بانخفاض محتمل في الناتج الاقتصادي بنسبة 0.7% فقط، هذا التباين يوضح أن بكين نجحت جزئياً في امتصاص صدمات الاحتواء.

2.  ركيزة الابتكار: التفوق في الإنفاق الحكومي والقيادة التكنولوجية

يكمن قلب الصعود الصيني في الاستثمار الحكومي المخطط والمركز على البحث والتطوير (R&D)، القيادة في الإنفاق الحكومي الموجه: على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال الرائد العالمي في إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير (806 مليار دولار في 2021) ، فإن استراتيجية الصين تركز على التمويل الحكومي المباشر، وفي القطاع الحكومي تحديداً (Intramural R&D)، يزيد إنفاق الصين على البحث والتطوير بمقدار 1.6 مرة على الولايات المتحدة في عام 2023، هذا التمويل الموجه يتيح لبكين تسريع الاختراقات في القطاعات ذات الأولوية الوطنية.

 طفرة براءات الاختراع: حققت الصين قفزات كمية في مجال الابتكار المسجل، ففي قطاع أشباه الموصلات، شكلت طلبات براءات الاختراع الصينية 55% من الإجمالي العالمي (37,865 طلباً) عام ٢٠٢٣، وتجاوزت بأكثر من الضعف عدد الطلبات الأميركية، كما تمتلك الصين 70% من إجمالي براءات الاختراع الصادرة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي (Gen A.I.).

 الريادة في التكنولوجيات الحدودية: أثبتت الصين تقدماً ملموساً في مجالات الدفاع الاستراتيجي، إذ تتفوق على الولايات المتحدة بفارق يصل إلى 60 نقطة مئوية في تكنولوجيات الكشف والتتبع الخاصة بالأسلحة الفائقة السرعة (Hypersonics)، ويعود هذا التفوق إلى “الاستثمار المكثف والمركز” في البنية التحتية اللازمة للاختبار والتطوير.

3.  سلاح العصر: المعادن النادرة والسيطرة الهيكلية

تمنح السيطرة على المعادن النادرة (Rare Earth Elements)، التي تعد العمود الفقري لصناعة الرقائق والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا العسكرية، الصين نفوذاً هيكلياً عميقاً.

 هيمنة الإنتاج والمعالجة: جاء أكثر من 65% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة عالمياً من الصين في عام 2023.

والأهم، أن قوتها الحقيقية تكمن في مرحلة المعالجة والتكرير، حيث تعالج الصين أكثر من 90% من العناصر الأرضية النادرة في العالم، هذه السيطرة تضمن اعتماد الغرب على بكين في المدى المنظور.

 * حصة السوق: بلغت إيرادات السوق الصينية للعناصر الأرضية النادرة 70.8% من السوق العالمية في عام 2024.

4.  نفوذ “الحزام والطريق”: التوسع في العالم النامي

تُعد مبادرة الحزام والطريق (BRI) هي الأداة الجيوسياسية التي رسخت النفوذ الصيني عالمياً، حيث بلغ إجمالي مشاركة المبادرة التراكمية 1.308 تريليون دولار أميركي منذ إطلاقها في عام 2013.

في النصف الأول من عام 2025، شهدت المبادرة أعلى مستوى من المشاركة على الإطلاق، حيث وصلت إلى 124 مليار دولار، مع تحول استراتيجي في التركيز نحو قطاعات الطاقة (تجاوزت استثمارات النفط والغاز 30 مليار دولار) والتكنولوجيا العالية والتصنيع (نحو 23.2 مليار دولار).

ردت مجموعة السبع (G7) على هذا النفوذ بإطلاق مبادرة الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار العالمي (PGII)، التي تهدف إلى تعبئة 600 مليار دولار أميركي على مدى السنوات الخمس القادمة.

لا تحاول PGII منافسة BRI من حيث الحجم، بل تراهن على الجودة، والشفافية، والمعايير البيئية والحوكمة لتقديم نموذج تنموي مستدام بدلاً من النموذج الصيني القائم على الديون غير المستدامة.

التعايش الاستراتيجي

تشير التوقعات إلى أن نمو الصين لن يتوقف، رغم التباطؤ، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتباطأ النمو المحتمل إلى نحو 3.8% في المتوسط بين 2025-2030، إلا أن الصين تتبنى سياسات لتعزيز تنافسية قطاع التصنيع لديها، ما يزيد حصتها في أسواق التصدير العالمية.

وبما أن الأدلة تؤكد أن جهود الاحتواء تفرض تكاليف متبادلة دون إيقاف كامل للقطار الصيني، فإن التكيف الاستراتيجي هو المسار الأكثر حكمة وواقعية، يجب على المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية أن ينتقلوا من محاولة الصراع والاحتواء المستحيل إلى التعايش الانتقائي، الذي يجمع بين المنافسة الاستراتيجية في مجالات التكنولوجيا الحرجة والتعاون الضروري في القضايا العالمية المشتركة، لضمان عالم أكثر استقراراً للجميع، إذ أصبح من المتأخر جداً إيقاف القطار الصيني الجامح!

شاهد أيضاً

القصر الكبير” يستعيد السنوات الأخيرة من مسار ماتيس 

مهى سلطان أعاد ماتيس في سنوات الشيخوخة صياغة عالمه الداخلي عبر القصاصات الورقية الملونة والأشكال السابحة في …