
باحث اقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع
كانت مصر تبني حائط الصواريخ وهو أمر بالغ الأهمية لحماية العمق المصري من الطيران الإسرائيلي وحماية القوات المصرية التي ستعبر في أي معركة مستقبلية.
وبما أن إسرائيل كانت تدمّر أي بناء لهذا الحائط، جاءت الفكرة بإقامة كتائب هيكلية مكونة من خشب وصاج وأجهزة لاسلكية تبث إشارات لإيهام العدو بأنها مواقع حقيقية، بينما هي مواقع غير فعّالة. هذه الفكرة أسهمت بشكل كبير في بناء حائط الصواريخ الحقيقي.
وقود صواريخ الدفاع الجوي
بعد قرار مصر بطرد الخبراء السوفييت، قام الاتحاد السوفيتي بمعاقبة مصر بسياسة غامضة تجاه إمدادات السلاح، ومنها وقود صواريخ الدفاع الجوي. عدم وجود الوقود كان يعني أن حائط الصواريخ لن يعمل، وبالتالي لن تتمكن القوات من عبور سيناء، وهو ما كان سيؤدي إلى كارثة أسوأ من نكسة 67. هنا جاء دور المركز القومي للبحوث بقيادة الأستاذ الدكتور محمود يوسف سعادة وفريق عمله، حيث تمكنوا بعد سلسلة من الأبحاث والتجارب من إنتاج أول لتر من وقود مماثل للوقود السوفيتي. نجحت التجربة وبدأ التجهيز، وظل حائط الصواريخ المصري يعمل بكفاءة طوال الحرب، وكانت هذه مفاجأة من العيار الثقيل للعدو وللاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على السواء.
وكل ما سبق مجرد نماذج لعملية ابتكار شاملة وواسعة النطاق، وهناك العديد من النماذج الإبداعية التي قدمتها حرب أكتوبر والتي يمكن الاستفادة منها في ريادة الأعمال وتدعيم الابتكار لتطبيق حلول لمشكلات اجتماعية كبرى.
وهنا يجب ذكر أن جيف بيزوس في شركة أمازون استخدم استراتيجيات خداعية في إيهام المنافسين بتركيزه على بيع الكتب فقط، بينما كان يبني بنية تحتية للتوسع إلى كل شيء متاح. وفي مصر استخدمت شركة سويفيل الثقافة المحلية في دراسة السوق حيث وجدت أن النقل الجماعي يعد من أهم وسائل المواصلات في الثقافة المصرية وساعد ذلك في ابتكار نموذج أعمال، وتم إصدار تطبيقات مواصلات جماعية آمنة للعملاء.
ولذلك يجب استلهام الإبداع من البيئة المحيطة، وحتى من التاريخ، لأن ريادة الأعمال تقوم بالأساس على تقديم حلول ابتكارية مختلفة. ويظل العلم والتكنولوجيا من أهم أدواتها. إن ريادة الأعمال الناجحة تنطلق من فهم متطلبات البيئة المحيطة وتحويل العوائق إلى نجاح غير مسبوق، وهذا هو جوهر العبقرية.
من هنا نجد أن حرب أكتوبر تعطي دروساً مهمة لا يمكن إغفالها عن الابتكار، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي أو المجتمعي، وهذه الدروس تعكس بلا شك إبداع الشخصية المصرية التي تؤكد دائماً أن لديها مخزوناً حضارياً يمكن البناء عليه. وفي عصر الذكاء الاصطناعي لا بد أن نهتم دائماً باستلهام الابتكار من التاريخ المصري لإنتاج ابتكار مستقبلي استثنائي ومؤثر.
وفي الختام، أدعو إلى إنشاء «متحف الابتكار المصري»، ليكون نواة للإبداع والإلهام، يعرض أهم الحلول غير التقليدية والمبتكرات التي قدّمتها مصر منذ عصورها القديمة وحتى يومنا هذا، على أن يضم قسماً مخصصاً لابتكارات حرب أكتوبر.
CNN Business News
مجلة 24 ساعة