لم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية واعدة للمستقبل، بل أصبحت اليوم ضرورة مُلحة وأساسية لإنجاز الأعمال في الشركات ونجاح المؤسسات التي تعمل في قطاع الأغذية. ومن المتوقع أن تقفز قيمة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي في المنطقة من 4.5 مليار دولار في عام 2024 إلى نحو 14.6 مليار دولار بحلول عام 2028. ويضع هذا التحول معياراً جديداً في كيفية تعاملنا مع احتياجات قطاع تسوق الأطعمة ومعاييرها التنظيمية، وستؤدي إلى تحولٍ حتمي في تجربة العملاء، وتغيير جذري في أُسس قطاع الأغذية.
تخيّل خوارزميةَ ما، لديها قدرة استثنائية على تحليل البيانات والتنبؤ بالطلب على وجبات طعام معينة، وفقاً للتغيرات الموسمية. فعلى سبيل المثال، إذا أظهر تتبع البيانات الزمنية زيادة مفاجئة في طلبات الأطعمة الجاهزة خلال أيام الطقس البارد، فإن أنظمتنا تقوم تلقائياً بتعديل قائمة طلبات وتوصيات العملاء لتضم هذه الخيارات استباقياً.. هذا المستوى من الدقة لا يُحسّن تجربة المستخدم فقط، بل يعزز رضا العملاء من خلال ضمان إدارة المخزون بكفاءة.
الأتمتة.. تمكين أقصى حد ممكن من الكفاءة والفعالية
تلعب الأتمتة دوراً محورياً في تعزيز كفاءة العمليات التشغيلية، إذ تشير إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام المُتكررة والمنتظمة بكفاءة ودقة، ما يتيح للكوادر البشرية التفرغ للقيام بأعمال وأدوار أكثر أهمية. وفي إطار عملياتنا، أحدثت الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحولاً في العديد من العمليات الحيوية، مما أدى إلى تحسين الإنتاجية بشكل كبير وخفض التكلفة التشغيلية.
من أبرز حالات الاستخدام الفعال للأتمتة، هي أتمتة العمليات، حيث تُتيح للموظفين تجنب القيام بالمهام المُملة مثل تجميع البيانات المالية أو مراجعة المستندات القانونية. في «طلبات»، نوفر عملياً الآلاف من ساعات العمل البشري شهرياً، وذلك من خلال أتمتة عملية إعداد قوائم المطاعم، مع الحفاظ على دقة تصل إلى 95% في رقمنة البيانات العامة.
كما أسهم الذكاء الاصطناعي في تقليص الوقت الذي يُخصصه العملاء والمستخدمون للبحث بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة معدلات التحويل ومتوسط حجم سلة التسوق.. وهنا يظهر مفهوم «تكنولوجيا الأغذية المخصصة»، وهو مجال جديد تتناغم فيه التوصيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مع تفضيلات المستخدمين وخياراتهم السابقة.
وبالمثل، تُمكّن أتمتة خدمة العملاء فرق الخدمة لدينا من تحليل وفهم رغبات العملاء والموردين والسائقين، وقد أدى ذلك إلى تقليل التدخل اليدوي بنسبة تقارب 40%، مما أسهم في تبسيط تجربة العملاء بشكل ملحوظ، كما ساعدت خوارزميات التوصيل الخاصة بنا في تحسين جداول عمل السائقين، ما وفّر ما يعادل 300 إلى 600 يوم من الإنتاجية سنوياً.. فعلى سبيل المثال، قلصت تقنيات التوجيه المدعومة بالذكاء الاصطناعي تأخيرات توصيل وجبات الإفطار بنسبة 40% خلال شهر رمضان في عام 2023.
التطوير.. الارتقاء بالإمكانات البشرية
يشير مفهوم التحسين والتطوير إلى التعاون بين الذكاء الاصطناعي والبشر، حيث يعملان معاً لتعزيز المهارات البشرية ورفع مستوى جودة العمل، وليس لاستبدال الوظائف البشرية بالذكاء الاصطناعي.
ويشجع هذا النوع من الدمج على المزيد من الإبداع وابتكار طرق أذكى لإنجاز المهام، لا سيما في كيفية مساهمة الأتمتة في دعم جهود «طلبات» لتحسين مستوى الخدمة والكفاءة التشغيلية.
أما في مجال إثراء المحتوى، فيعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) كمساعد فعّال لفرق صناعة المحتوى، حيث يُحسّن جودة البيانات الوصفية مثل تصنيفات المطاعم والأطباق، ووصف المنتجات في المتاجر، والصور، ونتيجة لذلك فإن تجربة العملاء بدورها تتعزز، وتتعمق مستويات التخصيص، ويزداد التفاعل مع المنصة، ما يفتح المجال لتحقيق عشرات الملايين في القيمة الإجمالية للمبيعات (GMV) عبر الأسواق من خلال تعزيز القدرات البشرية، وبالإضافة إلى ذلك، تُسهم أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في اختصار فترة إطلاق الميزات الجديدة من أسابيع إلى أيام، من خلال دمج أدوات كتابة ومراجعة الشيفرة البرمجية الذكية، ما يعزز الإنتاجية الهندسية واستجابة السوق عبر توجيه التركيز نحو الابتكار وحل المشكلات.
الوكالة.. اتخاذ القرار الاستباقي بالذكاء الاصطناعي
تمثل «الوكالة» المرحلة التالية في تطور الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح الأنظمة قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام بشكل مستقل، استناداً إلى تحليل كميات هائلة من البيانات، في «طلبات»، تتجلى هذه الاستقلالية بوضوح في التحليلات التنبؤية والتخصيص الديناميكي، ما يتيح لنا الانتقال من نموذج تشغيلي تفاعلي إلى نموذج استباقي.. أي أن الأنظمة لا تنتظر حدوث المشكلة، بل تتوقعها وتتعامل معها استباقياً، ما يعزز الكفاءة ويُحسّن تجربة المستخدم بشكل لافت.
تُجسد نماذج التخصيص المُتقدمة بوضوح قدرة الذكاء الاصطناعي على العمل بشكل مستقل، حيث تُحلل سلوك المستخدم، وسجل الطلبات، والسياق الفوري ذاتياً لتقديم توصيات مُخصصة، ونقوم حالياً بمعالجة نحو 13 تيرابايت من البيانات يومياً لتحسين دقة هذه التوصيات، وضمان أن تكون ملائمة للسياق والتوقيت.. ولا يقتصر الأمر على تقديم اقتراحات، بل يتعلق ببناء روابط ذات معنى، حيث يتم تصميم كل توصية لتلائم احتياجات وتفضيلات كل مستخدم بشكل حقيقي وشخصي.
وبالمثل، يُجسد توليد محتوى التسويق باستخدام الذكاء الاصطناعي مفهوم «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، من خلال إنشاء إعلانات مخصصة بشكل ديناميكي عبر وكلاء تسويق مدعومين بالذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI)، هذه الأتمتة لا تُعد فقط فعالة من حيث التكلفة، بل تتيح أيضاً تخصيص الحملات التسويقية على نطاق غير مسبوق، يصعب تحقيقه بالجهد البشري وحده.
هذا النوع من التسويق المخصص يُعزز تفاعل العملاء، ويُسهم في رفع معدلات التحويل، وبناء علاقة أقوى بين العلامة التجارية ومُختلف فئات المستخدمين.
إتاحة البيانات للجميع من خلال الذكاء الاصطناعي
يستفيد جميع شركاؤنا التجاريين والسائقين بشكل كبير من هذا النهج القائم على التكنولوجيا أولًا، تُسهم أدوات تحسين الأداء لدينا في تحقيق نمو إضافي يُقدّر بما بين 30 إلى 50 مليون دولار سنوياً من خلال إتاحة مصادر دخل جديدة، ويحصل الشركاء على رؤى تحليلية مُعمّقة تساعدهم في تحسين عروضهم، مما يؤدي، بالتكامل مع حلولنا الإعلانية الموجهة، إلى زيادة ملحوظة في المبيعات والعوائد الاستثمارية (ROI).
أما بالنسبة للسائقين فنحن نركز على تعزيز إمكانات الدخل مع منحهم المرونة للعمل بالطريقة التي تناسبهم، بدعم من نظام احتياطي قوي يعتمد على جداول عمل مُحسّنة وخرائط طلبات تنبؤية.
يُلهم هذا النموذج باقي شركات تكنولوجيا الأغذية، حيث يضع الإنسان في المقام الأول، ويُحفّز أعمال الفرق الميدانية، ويُسهم في تقديم خدمة أفضل. نحن في عصر لم يعد فيه الذكاء الاصطناعي مجرد ترقية لمنظومة العمل للأنظمة، بل أصبح نقطة تحول حقيقية في قطاع الأغذية وتقنياتها، إذ يُحدث دمجه نقلة نوعية وتطويراً في كل المراحل، من أتمتة العمليات المُتكررة، إلى تعزيز اتخاذ القرار من خلال التحليلات التنبؤية والتخصيص الذكي. يُعيد الذكاء الاصطناعي صياغة واقع جديد، من سلاسل التوريد وصولاً إلى تجربة العميل. وسوف تحقق الشركات والمؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كتوجه استراتيجي، أكبر المكاسب. ففي مجال توصيل الوجبات الغذائية، لا يقتصر الأمر على تحسين الكفاءة وزيادة الفعالية، بل يتضمن بناء أنظمة قادرة على التعلم والمواءمة والتطور بما يتماشى مع تطور احتياجات العملاء والمستهلكين والمتطلبات المتجددة والمتزايدة للأعمال بمختلف أنواعها.
وليد لسويد، متخصص في علم البيانات يتمتع بخبرة مهنية في وادي السيليكون وأوروبا والشرق الأوسط. شغل مناصب قيادية في ميتا/فيسبوك وطلبات في مجالات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي. يحمل ماجستير إدارة أعمال من جامعة ستانفورد، ويعمل حالياً مديراً أول للبيانات والذكاء الاصطناعي في طلبات، حيث يشرف على فريق يتجاوز 110 موظفين.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.