الرئيسية / صحافة ورأي / الإنفاق على التضليل

الإنفاق على التضليل

ربيع فهمي
ربيع فهمي
باحث متخصص في الإعلام الرقمي والاتصال المؤسسي
 
في أبريل 2013، نشر حساب وكالة الأسوشيتد برس على تويتر تغريدة مفبركة -جراء اختراقه- تدعي وقوع انفجار في البيت الأبيض وإصابة الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما.  وعلى الرغم من نفي الخبر بعد دقائق، كانت العواقب فادحة، خسر مؤشر S&P 500 ما يقرب من 136 مليار دولار، قبل أن يتعافى سريعاً بعد تصحيح المعلومة.
هذه الحادثة -وما سبقها ولحقها من وقائع أخرى- تكشف بوضوح أن التضليل لم يعد مجرد محتوى مزعج، بل أصبح أداة لها كُلفة اقتصادية ثقيلة. إن ما نعيشه اليوم هو تماماً ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد التضليل».. صناعة متكاملة الأركان من تمويل وتخطيط واستهداف ونشر وتضخيم تُمول عبر الإعلانات، وتنفذ من خلال وسائل الإعلام نفسها في كثير من الأحيان.. مكاسب هذا الضرر تتخطى جني الأموال إلى التأثير على الرأي العام وتمزيق النسيج المجتمعي.
الأشد وطأة من ذلك أن هذه الصناعة أصبحت أقل كلفة وأكثر خطورة مع تفشي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. إن إساءة استخدام هذه التقنيات تعزّز غزارة المحتوى المضلل وتزيد قابليته للإقناع، إذ تجاوز التضليل المعلوماتي حدود النص والصوت والصورة منذ سنوات، والقادم أسوأ.
وخلصت دراسة نُشرت العام الماضي إلى أن 8 من كل 10 مديرين تنفيذيين يشعرون بالقلق تجاه الضرر المحتمل نتيجة التضليل الإعلامي القائم على الذكاء الاصطناعي. أضف إلى ذلك أن التكلفة الإجمالية للأخبار الكاذبة على الاقتصاد العالمي تصل إلى 78 مليار دولار سنوياً، منها 39 مليار دولار خسائر في سوق الأسهم، وفقاً لتقديرات عام 2019.
من هنا، لم يعد أمام الحكومات في منطقتنا بد من تأسيس هيئات وطنية للتصدي للتضليل، وفق نهج احترافي مدروس. هذه الهيئات تؤدي مهمتها وفق 3 ركائز أساسية أولها الرصد والتنبيه المبكر، لكشف بوادر الشائعات قبل تفشيها من خلال مراقبة المؤشرات الرقمية والمحتوى المتداول.
وثانيها تحليل البيانات، لدراسة مصدر الشائعة وخط سيرها وطبيعة الجمهور المتفاعل معها باستخدام أدوات تحليلية دقيقة. أما الركيزة الثالثة فهي إدارة الأزمات، وتقوم على تفعيل السيناريوهات المعدة سلفا للرد والتوضيح، بما يتناسب مع حجم الشائعة وسرعة انتشارها.
إن أهمية هذه الهيئات لا تقتصر على حماية الاقتصاد من اضطرابات آنية بل تمتد لحماية تماسك المجتمع وحفظ أمنه القومي. ففي زمن الخوارزميات والكم الهائل من المعلومات، من لا يتحكم في سرد القصة تحاصره الروايات المفبركة.
CNN News

شاهد أيضاً

مودي حكيم يكتب: فنان أحب الحياة

  في مثل هذه الأيام من العام الماضي، سنحت الفرصة لزيارة ولقاء أشهر وأغنى فنان …