
رئيسة استراتيجيات الاستثمار في ساكسو بنك
بعد مرور ستة أشهر فقط على عودة ترامب إلى البيت الأبيض، عايشت الأسواق سلسلة من العناوين السياسية الصاخبة، وإعادة ضبط في التوازنات الجيوسياسية، ورياحاً معاكسة اقتصادية، كما يقول لينين: “ثمة عقود لا يحدث فيها شيء، وأسابيع تحدث فيها عقود”.. وقد شهد النصف الأول من عام 2025 تبني الحكومة الأميركية دوراً أكثر استقلالية وحزماً على الساحة الدولية، مع عودة الخطاب الحمائي، وطرح خطط ضريبية وإنفاقية طموحة، وتوجيه السياسات لدعم الابتكار والأمن القومي. ومع ذلك، أظهرت الأسواق قدرة لافتة على الصمود؛ واصلت الأسهم ارتفاعها، وأسهم التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي في رفع تقييمات شركات التكنولوجيا، وظلت مستويات التقلب منخفضة رغم التهديدات المتكررة بفرض رسوم جمركية، وتشديد قوانين الهجرة، وتكثيف الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي.
المرحلة المقبلة.. من الضجيج إلى النتائج
قد تكون الأسواق بحاجة إلى تحوّل في التركيز من العناوين إلى النتائج الملموسة، إذ يبدو أن عدداً من المواضيع المرتبطة بعهد ترامب تتجه من نطاق التكهنات إلى حيز التنفيذ، ما قد يُعيد تشكيل تدفقات رؤوس الأموال وقيادة الاستثمار في النصف الثاني من عام 2025.
التوترات التجارية.. خطاب ناري وتنفيذ محدود
كانت التجارة من أكثر المواضيع تكراراً في خطاب ترامب خلال النصف الأول من العام، مع تهديدات متكررة بفرض رسوم جمركية، لا سيما على الصين والمكسيك. ومع ذلك، كان التنفيذ محدوداً حتى الآن.
- تم التلويح بالرسوم مراراً دون تفعيل فعلي لها، فيما تجاهل المستثمرون إلى حد كبير هذه التهديدات، وغالباً ما شهدت الأسواق ارتفاعات بعد مرور المهل الزمنية دون اتخاذ إجراءات.
- يُنظر إلى نهج ترامب التجاري كأداة تكتيكية أكثر من كونه تهديداً مباشراً للتجارة العالمية.
النظرة المستقبلية:
- في حال تنفيذ الرسوم بعد الأول من أغسطس، فقد تتعرض القطاعات الدورية -لا سيما السيارات، والصناعات، وتجارة التجزئة الأميركية- لضغوط على الهوامش.
- أما في حال حدوث تأجيل جديد، فقد تعود شهية المخاطرة، خاصة لصالح المصدرين في آسيا والمستفيدين من سلاسل التوريد العالمية مثل الهند وجنوب شرق آسيا.
استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.. تصاعد الضغط واستقرار الأسواق
تسببت الانتقادات المتواصلة من ترامب للاحتياطي الفيدرالي ودعوته لخفض الفائدة في تسليط الضوء على استقلالية البنك المركزي. ومع ذلك، حافظ جيروم باول حتى الآن على موقفه المتحفظ.
- تصاعدت انتقادات ترامب، متضمنةً تلميحات بإقالة باول ومخاطر تعيين شخصية موازية في الظل.
- رغم تراجع معدلات التضخم، حافظ الفيدرالي على نهج حذر، مستنداً إلى الاعتماد على البيانات ومخاوف من تقلبات الأسعار الناتجة عن الرسوم.
- لكن الأسواق بدأت فعلياً في تسعير خفض للفائدة، ما دعم شهية المخاطرة.
النظرة المستقبلية:
- ستشكّل كلمة باول في مؤتمر جاكسون هول في أغسطس واجتماع الفيدرالي في سبتمبر محطات مفصلية في تحديد التوجهات.
- في حال تنفيذ الخفض، قد يترسخ مفهوم “شبكة أمان ترامب” التي توحي بسياسات مرنة تجاه ضعف السوق.
- أما في حال تشبّث الفيدرالي بموقفه فقد تعود التقلبات، خاصة في الأصول الحساسة للفائدة.
“مشروع قانون الضرائب العظيم”.. وعد أم وهم؟
كالعادة، أُعلن عن “مشروع قانون الضرائب العظيم” وسط احتفاء كبير، مع وعود بتخفيف العبء الضريبي وتحفيز النمو الاقتصادي. لكنه لا يزال في طور التصور أكثر من كونه مشروع قانون فعلي.
- يتضمن الاقتراح خفض الضرائب على الشركات، وتخفيف الضرائب على أرباح رأس المال، وحوافز للمشاريع الصغيرة.
- رحّبت الأسواق بالإعلان الأولي، معتبرة إياه امتداداً لتحفيزات عام 2017.
- لكن المخاوف بشأن التمويل والتوقيت والعراقيل التشريعية بدأت تتصاعد.
النظرة المستقبلية:
- يبدو أن السوق تتوقع تمرير نسخة مخففة من مشروع القانون.
- في حال تعثر التشريع، قد تتبدد الآمال وينعكس ذلك سلباً على الأسهم الحساسة للضرائب.
- أما في حال إقرار حتى جزء منه فقد يستمر انتعاش أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتحفز الاستثمارات التجارية.
تجعل هذه الالتزامات قطاع الدفاع من أكثر “صفقات ترامب” استدامة، مع فرص دعم حزبي واسع.
صفقات ترامب الجديدة.. مواضيع استثمارية تحت المجهر
مع بدء تنفيذ السياسات، بدأ المستثمرون بإعادة التموضع نحو مواضيع استثمارية يُرجح أن تستمر خلال ولاية ترامب الثانية.
الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية
- أعلن ترامب عن مبادرة بقيمة 500 مليار دولار بين القطاعين العام والخاص لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، بمشاركة شركات كبرى مثل “سوفت بنك”، و”أوبن إيه آي”، و”أوراكل”.
- كما يقترح مشروع القانون الضريبي الجمهوري:
1- تخصيص 250 مليون دولار لبرامج الأمن السيبراني المدعومة بالذكاء الاصطناعي،
2- إعفاءات ضريبية لمصنعي الرقائق الذين يؤسسون منشآت إنتاج في الولايات المتحدة.
- لا تزال الإنفاقات المؤسسية قوية رغم تقلبات الأرباح الفصلية:
1- تضاعفت معدلات استخدام الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة على أساس سنوي، بحسب بيانات مكتب الإحصاء.
2- تواصل شركات مثل مايكروسوفت وميتا تسريع تطوير حلول الذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة عملياتها الداخلية.
3- تتصاعد المنافسة الاستثمارية عالمياً، إذ تواصل الصين السعي وراء رقائق “نفيديا”، في حين توسع “ميتا” مختبراتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
يشير هذا المستوى من الالتزام إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موجة عابرة، بل تحوّل هيكلي قد يُحدد دورة الإنفاق الرأسمالي المقبلة.
الدفاع والأمن
- وقع ترامب عدة أوامر تنفيذية لدعم الابتكار العسكري والأمن السيبراني وبناء السفن محلياً.
- يتضمن مشروع الإنفاق الجمهوري:
1- 150 مليار دولار للإنفاق الدفاعي.
2- 29 مليار دولار لصناعة السفن.
3- 170 مليار دولار لتعزيز أمن الحدود.
- تبرز الاضطرابات الجيوسياسية، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى التوترات في مضيق تايوان، أهمية هذا التركيز الاستراتيجي.
- كما تم اقتراح ميزانية بقيمة 24 مليار دولار لنظام دفاع صاروخي فضائي يُطلق عليه “القبة الذهبية”.
تجعل هذه الالتزامات قطاع الدفاع من أكثر “صفقات ترامب” استدامة، مع فرص دعم حزبي واسع.
المعادن والتعدين
- الوطنية في الموارد باتت من المواضيع البارزة في عهد ترامب.
- تهدف الأوامر التنفيذية لدعم عناصر نادرة والنحاس والتنقيب عن الطاقة إلى تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
- من أبرز التطورات:
1- استثمار من وزارة الدفاع في شركة MP Materials، لتصبح البنتاغون أكبر مساهم فيها.
2- مقترحات بفرض رسوم على واردات الصلب والألومنيوم والنحاس لدعم القدرة الإنتاجية الأميركية.
تؤشر هذه التحركات إلى دعم طويل الأمد لقطاع التعدين والبنية التحتية للطاقة في الولايات المتحدة، مع تأثيرات محتملة على أسعار السلع وأسهم الصناعات.
الأصول الرقمية والبيتكوين
- فاجأ ترامب الأسواق بموقفه الإيجابي من العملات الرقمية:
1- وقع أمراً تنفيذياً بإنشاء احتياطي استراتيجي أميركي من البيتكوين.
2- وُضعت استراتيجية شاملة للتمويل الرقمي تهدف إلى ترسيخ مكانة الولايات المتحدة في ريادة الابتكار القائم على البلوكشين.
- يُرتقب إقرار محطات تشريعية رئيسية في النصف الثاني من العام، مثل التصويت على مشروع قانون العملات المستقرة (Stablecoin Bill) ومشروع قانون الشفافية (CLARITY Act).
رغم تقلبات سوق العملات الرقمية، يبدو أن التوجه التنظيمي في عهد ترامب يدعم الابتكار بدلاً من تقييده، ما قد يفتح الباب أمام تدفقات مؤسسية جديدة.
الأسهم الصغيرة
- نظراً لانكشافها الأكبر على الطلب المحلي وانخفاض حساسيتها لسلاسل التوريد العالمية، فإن الأسهم الصغيرة مؤهلة للاستفادة من:
1- تخفيضات ضريبية مقترحة.
2- ظروف تنظيمية أكثر مرونة.
3- برامج إنفاق مالي موجهة نحو البنية التحتية والابتكار.
يمكن أن تؤدي هذه العوامل إلى أداء متفوق، لا سيما إذا تقدم “مشروع قانون الضرائب العظيم” في الكونغرس.
القطاع المصرفي
- يوفّر مزيجاً من خفض الفائدة وتخفيف الضوابط التنظيمية بيئة داعمة للبنوك الأميركية:
1- قد تؤدي تكلفة التمويل المنخفضة إلى تعزيز الربحية.
2- وقد يسرّع التراخي الرقابي من وتيرة عمليات الاندماج والاستحواذ.
3- كما تظل الأساسيات الائتمانية مستقرة نسبياً.
يُعدّ القطاع المصرفي خياراً جذاباً للمستثمرين الباحثين عن عوائد وإعادة توازن سعري.
الرهانات على خفض الفائدة
- رغم موقف الفيدرالي الحالي، تسعّر الأسواق خفضاً للفائدة بحلول نهاية العام. وإذا تحقق ذلك، فستكون التأثيرات واسعة النطاق:
1- قد تستفيد القطاعات الحساسة لمدة السندات مثل المرافق والصناديق العقارية والسلع الاستهلاكية الأساسية من انخفاض العائدات.
2- قد تعود أسهم العوائد المرتفعة إلى الواجهة، خاصة للمستثمرين الباحثين عن دخل بديل للنقد.
3- قد تحصل أسهم النمو، لا سيما في التكنولوجيا والخدمات الاتصالية، على دفعة إضافية من انخفاض معدلات الخصم.
4- يمكن لانخفاض الدولار الأميركي أن يدعم الأسهم والسلع غير الأميركية، ما يعزز تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة والذهب.
الصين.. من التصنيع إلى الابتكار
- يتحول المسار الاقتصادي الصيني تدريجياً من التصنيع التصديري إلى الابتكار التكنولوجي.
· رغم التحديات الديموغرافية والقيود التجارية، لا تزال رؤوس الأموال تتجه نحو الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
يعكس هذا التحول انتقالاً أعمق، من التركيز على الكمية إلى النوعية، ومن الاعتماد على الخارج إلى تنمية القدرات المحلية.
توقعات الدولار الأميركي
- قد يؤدي مزيج من التدخلات السياسية في سياسة الفيدرالي، واتساع العجز المالي، واحتمالات خفض الفائدة إلى تراجع الدولار. ومن شأن ضعف الدولار أن:
1- يقلل من جاذبية الأصول الأميركية للمستثمرين الأجانب.
2- يعزز جاذبية الأسهم الأوروبية والآسيوية.
3- يدعم أرباح الشركات الأميركية متعددة الجنسيات.
4- يوفّر رياحاً خلفية داعمة للذهب والنفط وسلع أخرى.
هذا المشهد الكلي يدعم تنويع المحافظ دولياً، مع تخصيص انتقائي للأسواق الناشئة، وزيادة الانكشاف على السلع خلال النصف الثاني من عام 2025.
مجلة 24 ساعة