بعد أن حلق بنا الفنان الكبير مصطفى الرزاز سنوات طويلة فى سماء الفن بعصفوره المميز الذى احتل الصدارة فى الكثير من أعماله الفنية، رأى فى معرضه الجديد الذى افتتح أمس الأول فى جاليرى الزمالك أن يغوص بنا فى البحر بسمكة سحرية احتلت غالبية لوحات المعرض، بل وكثيرا ما قفزت من اللوحات إلى أعمال المعرض النحتية، ومع وجود أكثر من 32 ألف نوع من الأسماك تعيش فى بحارنا منذ ما يزيد على 500 عام، يتبادر إلى الذهن السؤال: أى سمكة يقصد فناننا الكبير فى معرضه الذى يحمل عنوان «رزق البحر»؟ فالسمكة فى الكثير من أساطير الحضارات القديمة هى طوطم أنثوى ثابت، وهى رمز الخصوبة والإنجاب وتجدد الحياة، أما فى المسيحية فهى تكتسب أبعادا روحانية، وكان المسيحيون الأوائل فى عصور الاضطهاد يتخذونها رمزا لتشابه أحرف اسمها فى اللغة اليونانية القديمة مع أحرف اسم يسوع، وفى الإنجيل تذكر كلمة سمكة بمشتقاتها ما لا يقل عن 27 مرة، أما عالم القرن السابع المسلم ابن سيرين فيذكر فى كتابه عن تفسير الأحلام «إن رؤية السمك فى الحلم تدل على سعة الرزق والسعادة والأيام الجميلة للرائى ولأفراد أسرته»، وفى معرض الرزاز نعايش جميع هذه المعانى والرموز من خلال لوحات المعرض التى يزيد عددها عن المائة لوحة، وكذلك فى الأعمال البرونزية التى تتخللها، فإذا كان رمز ابن سيرين حاضرا فى عنوان المعرض فإن التداخل بين السمكة والمرأة هو موضوع أكثر من لوحة، ففى إحداها تمسك شبكة الصيد بالمرأة والسمكة معا وكأن إحديهما الوجه الآخر للأخرى، وفى لوحة أخرى السمكة هى ذاتها المرأة فهى حورية البحر التى نصفها العلوى امرأة والسفلى سمكة، لكننا فى لوحات أخرى نجد السمكة تسمو بنا إلى السماوات العليا من خلال تلازمها فى نفس اللوحة مع عصفورة الرزاز المعروفة، وفى لوحة أخرى تنمو للسمكة ذاتها أجنحة لترتفع بنا من أعماق البحار إلى أعالى السماوات. إن سمكة مصطفى الرزاز السحرية تقفز بنا فى هذا المعرض من الماء إلى عوالم الرموز الأسطورية الكامنة فى التراث الإنسانى منذ آلاف السنين.
عن جريدة الأهرام
مجلة 24 ساعة
