شيء من الأسطورة يعبر أيضاً فيلم “پيپيه” (مسابقة)، للمخرج الدومينيكاني نيلسون كارلو دو لوس سانتوس أرياس. يحمل هذا النص الغرائبي الدلالات والرمزيات التي تجمع الأماكن والأفكار في توليفة سينمائية عجيبة جداً تضلل المشاهد. فرس البحر هو الشخصية الرئيسة، إلى جانب شخصيات أخرى، تدخل الكادر وتخرج منه من دون أن نفهم ما مشكلتها في الحياة، وماذا تريد منا تحديداً. كثر لم يفهموا شيئاً من هذا العمل الذي تشكل مشاهدته تحدياً وضياعاً تاماً في آن واحد. “صوت يدعي أنه ينتمي إلى فرس البحر. صوت لا يفهم إدراك الزمن. پيپيه، فرس البحر الأول والوحيد الذي قتل في الأميركتين، يروي قصته”. هكذا يلخص الفيلم الكاتالوغ، لكن على الشاشة، ثمة حكاية أخرى.
إلا أن ذروة الغرابة هي تلك التي بلغها المخرج الفرنسي برونو دومون واكتشفناها في فيلمه الأحدث “الإمبراطورية” (مسابقة). دومون كان دائماً متنوعاً في خياراته، بمعنى أنه انتقل من نوع سينمائي إلى آخر “تفادياً للملل”، كما قال في مقابلة جمعتني به أمس. لكن هذه المرة يذهب أبعد من أي وقت مضى في إطلاق العنان لمخيلته الخصبة والضارية. تجري الأحداث في ريف بعيد على البحر، وهو مسرح لعديد من أفلامه السابقة. إنه مكان يعرفه جيداً ويجيد التعامل معه، سكان الريف من الصيادين متجذرين في بيئة محلية، لغة ومنطقاً وتصرفات. صراع بين الخير والشر يقع في هذه القرية، يتورط فيها سكانها، فينقسمون بعضاً على بعض، وتدور معركة، لكنها ستكون على طريقة دومون، أي لا شيء مألوفاً فيها.
رحلة إلى أقاصي الجنون تخيلها مخرج “حياة يسوع” في عمله هذا الذي يتجاوز كل منطق، بل يملك منطقه الخاص في التعامل مع الأشياء. توقعوا رؤية ما يشبه الصحون الطائرة والمركبات الفضائية وكاتدرائيات تسبح في الفضاء وبالونات مطاطية تنطق وتأمر وتذكي الصراع القائم. يحدث هذا كله في ضوء بهلوانات الممثل فابريس لوكيني الذي استوحى دومون الزي الذي يرتديه من لوي جوفيه في دور دون جوان! حتماً، لا نفهم كل التفاصيل، لكن لا بأس، ليس هذا المطلوب من المتفرج، هناك دائماً جانب من الغموض والظلال في أعمال هذا السينمائي، وهذا ما يصنع سحرها، لكن الأهم هو الاستمتاع بالمشهدية العريضة التي يضعها دومون أمامنا. لا يهتم بالصح والصواب، عالمه غير واقعي تماماً، ولا يوظف الفن لأهداف اجتماعية نبيلة، بل كل ما يهمه هو أن يبث الفوضى طوال ساعتين، انتقاماً من عديد من الأفلام الأميركية التي، على حد قوله، تنمط الصراع بين الخير والشر، خصوصاً في سينما علم الخيال.
في فيلمه الأبوكاليبتي هذا، يقول ما تقوله تلك الأفلام الأميركية، ولكن بلغته الخاصة وأساليبه المختلفة. يعلق قائلاً “لي عالمي السينمائي، لذلك ما كنت مهتماً به، هو أن أجدد من خلال إدخال عالم جديد إليه، وهذا العالم الجديد هو السينما المضادة لسينماي. إنها السينما الأميركية الترفيهية. وهما لا تلتقي إحداهما بالأخرى، تتحدثان عن شيء واحد، لكن كل بطريقتها الخاصة، وما كان يهمني هو أن أصنع مواجهة بينهما، كي أراقب ما الذي سيحدث بعد ذلك”.
لا يمكن عزل هذه الغرابة التي تلقي بظلالها على أفلام المهرجان عن التطور التكنولوجي الحاصل أو الذي يتخيله السينمائيون الرؤيويون. وهذا ما نراه في “نهاية أخرى” (مسابقة) للإيطالي بيارو ميسينا. منذ أن فقد سال حبيبته زوي، أصبح يعيش فقط في ذكرياته: الذكريات كشظايا مرآة مكسورة لا يمكن جمعها مرة أخرى. لكن، ثمة تكنولوجيا باتت تتيح تخفيف آلام الانفصال من طريق إعادة الفقيد إلى الحياة لفترة وجيزة. ما تم كسره فجأة، يجتمع مرة أخرى. ولكنه فرح هش، عابر، بل وغادر.
Independent News
مجلة 24 ساعة