الرئيسية / صحافة ورأي / أحبك لندن… لكن التلوث ينهكني

أحبك لندن… لكن التلوث ينهكني

إنها الأخبار التي تحدثت عن جزيئات الهواء الملوثة السامة التي وجدت في رئات وأدمغة الأجنة الذين لم يولدوا بعد، هي التي أثرت بي. فأنا ليس لدي أطفال بقرار شخصي، وغريزة الأمومة عندي تعادل تلك التي لدى شخصية “ماتيلدا” في [فيلم] “الآنسة ترانتشبول” (Miss Trunchbull). إلا أن الأبحاث الجديدة المقلقة أدت حرفياً إلى ثنيي تماماً عن كل مسعى في هذا الاتجاه [أي لإنجاب أطفال]. فالمستقبل البائس الذي حذرنا منه ناشطو المناخ والعلماء بدا فجأة قريباً منا على نحو مشؤوم، والأمر جعلني أرغب بمغادرة العاصمة [لندن] إلى أمكنة مليئة بالمساحات والمروج الخضراء. 

الدراسة الجديدة التي أجرتها جامعة أبيردين وجامعة هاسيلت في بلجيكا ليست أبداً أول دراسة تقدم معلومات صادمة عن تأثير التلوث في المناطق المدينية المكتظة. إذ في يوليو (تموز) الفائت توصلت “هيئة دراسة التأثيرات الصحية للملوثات في الهواء” إلى أن تلوث الهواء سيزيد على الأرجح من خطر تطور الخرف (الديمنشيا) و”التدهور الإدراكي” المتسارع عند الأشخاص المسنين. كذلك في سبتمبر (أيلول) توصل العلماء في جامعة كولورادو، بولدر، إلى تحديد صلة بين الملوثات التي جرى تنشقها (من الهواء) وبين تزايد خطر أمراض الحساسية والسكري والبدانة عند الأطفال. كما توصلت دراسة أجريت في أكتوبر (تشرين الأول) إلى أن تلوّث الهواء قد يسهم في ظاهرة البدانة عند النساء بمنتصف العمر، فيما أصدرت منظمة الصحة العالمية (WHO) بمطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري تحذيراً يشير إلى خطر تزايد معدلات الوفيات إن لم يتدخل رؤساء بلديات المدن حول العالم على الفور لتقليص التلوّث.

ومدينة لندن في السياق تعدّ واحدة من أكثر مدن أوروبا خضرة، إذ تضم 3 آلاف متنزّه ومساحة خضراء، أي ما يعادل 47 في المئة من مجمل مساحتها. وتتضمن الخطة أو الاستراتيجية البيئية لعمدة لندن تعهداً في “تحويل 50 في المئة من لندن إلى مساحات خضراء مع حلول عام 2050” وتقليص انبعاثات شبكة النقل إلى درجة الصفر. لكن في الأسبوع الماضي بلغت معدلات التلوّث الناتجة من السيارات أعلى نسبها منذ بداية جائحة “كوفيد 19” عام 2020. إذ إن الطبيعة آنذاك، حين توقفت حركة السيارات واضطر الناس على البقاء في منازلهم التزاماً بتدابير الإغلاق الوطنية، كانت قد تنفست الصعداء مع توقف انبعاثات الكربون الصادرة من حركة النقل العام والمصانع. والآن يبدو أن أحد تلك الأشياء الإيجابية التي جاءت بها الجائحة قد انتهى. فبالنسبة لي شخصياً، مثلاً، لقد بت خائفة من فتح نافذة غرفة نومي.

تاريخياً، ومنذ زمن بعيد، كان الناس قد تدفقوا نحو العواصم سعياً وراء الوظائف، والحب، والبدايات الجديدة، والحرية والغفلية التي يمكن لتلك الفضاءات المدينية أن تتيحها. وكمراهقة نشأت في منطقة ريفية بشمال إنجلترا كنت أحلم بالهرب إلى الدخان العظيم [أي إلى المدينة]. لقد مثلت لي لندن الاحتمالات والإمكانيات المتعلقة بالأشخاص الجدد، والأمكنة الجديدة، والفرص والسحر – نعم السحر! وذاك عنى حرية اختيار من أكون، وأن أحب من أريد أن أحبه، وهذان الأمران ليسا عاملين بسيطين لجذب الأشخاص الذين يُعتبَرون “الآخر” وفق الحساسيات العامة الشائعة. على أن هذا الأمر أيضاً ما زال يشكل إلى اليوم جزءاً كبيراً من الأسباب التي تبقيني في لندن.

لكن الآن؟ بعد 22 عاماً من انتقالي إلى المدينة بهدف الدراسة، يعاني سوق السكن من أزمة شديدة، وبسرعة هائلة تتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتوجه إلينا النصائح كي لا نمارس التمارين الرياضية في الخارج بسبب مستويات التلوث “المرتفعة جداً”. والأسوأ من هذا كله يتمثل بموت الناس جراء التلوث.

في الإطار عينه، ووفق منظمة الصحة العالمية، يودي تلوث الهواء بحياة ما يقارب سبعة ملايين شخص حول العالم في كل عام، فيما يتنشق 99 في المئة من سكان الأرض هواء يتخطى حدود الشروط الصحية الموضوعة من قبل المنظمة. وإذ تعاني غالبية سكان العالم من التعرّض الشديد للتلوّث، فإن ذلك يحدث أيضاً قريباً منا. ففي عام 2013 توفيت الطفلة إيلا كيسيديبراه، البالغة من العمر تسع سنوات، جراء نوبة ربو سببها تلوّث الهواء. وإيلا التي نشأت بمنطقة تبعد 25 متراً فقط عن الطريق الدائري الجنوبي – الطريق السريع الرئيسي الملتف حول العاصمة (لندن) – عانت من نوبات عدة وأدخلت إلى المستشفى 27 مرة قبل وفاتها. وفي عام 2020 جاء حكم الطب الشرعي ليقول بأن إيلا كانت تتعرض لمستويات “مفرطة” من التلوث، مما جعلها (وفق الحكم) الشخص الأول الذي يتوفى بسبب هذا الأمر في المملكة المتحدة.

وإثر هذا التحقيق الاستثنائي، أوصى حكم الطب الشرعي بأن تعمل المملكة المتحدة على تخفيض عتبتها من الجسيمات الدقيقة (PM2.5) – الملوثة للهواء – من المعدل الراهن “الأعلى بكثير” مما توافق عليه منظمة الصحة العالمية، إلى المستوى المقبول، وذلك لتقليص عدد الوفيات جراء تلوث الهواء. وقد صدر “قانون البيئة” عام 2021 ليفرض على الحكومة مهمة المضي في تنفيذ هدفين على الأقل متعلقين بجودة الهواء مع حلول أكتوبر (تشرين الأول) 2022. أحد هذين الهدفين يتمثل بتعهد في تقليص المستوى المتوسط السنوي للجسيمات الدقيقة (particulate matter – PM2.5) في الهواء المحيط، إضافة إلى هدف طويل الأمد تقول الحكومة إنه “سيشجع الاستثمارات طويلة الأمد ويؤمن الثقة للأعمال والمشاريع وبقية الأطراف ذات الصلة”لكن وفي كلمة إلى البرلمان في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلنت وزيرة الدولة للبيئة والأغذية والشؤون الريفية، تيريزا كوفي، أن الحكومة قد لا تتمكن من تحقيق هذه الأهداف “وفق ما يفرض القانون”. أضافت: “أود أن أطمئن المجلس [مجلس النواب] وبقية الأطراف المعنية بأننا سنتابع العمل بوتيرة متسارعة بغية وضع مشاريع آليات قانونية في أقرب وقت ممكن عملياً”. لكن الأمر يبدو تقريباً وكأن هذه المسألة التي تؤثر بمستوى غير متناسب على أولئك الذين يعيشون في الفقر، ليست من الأولويات.

مقابل هذا، وفيما تستمر الحكومة في جرجرة أقدامها تجاه مسألة وصفها عمدة لندن صادق خان بأنها “مسألة حياة أو موت”، يستمر سكان لندن بتنشق هواء شديد الاتساخ ويخالف القوانين الدولية.

وعلى رغم استمرار المدينة في تشكيل مصدر للإلهام والمتعة والحرية، فإن تجاهل الإشارات التحذيرية يغدو أصعب وأصعب، إذ إن الأخيرة باتت مثل العلاقات السيئة تزداد ضرراً على صحتنا. كل شخص يود أن يأتي إلى هذا المكان المبهج ينبغي أن يحظى بهذه الفرصة من دون أن يخشى خطراً صحياً خفياً قد يتهدد حياته. ما نحتاجه ليس أقل من تدابير وتدخلات شاملة وطارئة ينبغي تطبيقها لإبقاء هذه المدينة الاستثنائية آمنة وصالحة للعيش.

وأنا أحدق بالمدينة التي أعشقها، بشرايينها المخنوقة بالسيارات، آخذ مجة من بخاخ الاستنشاق، وأحلم بمروج معشوشبة ونظيفة.

© The Independent

شاهد أيضاً

الحرب انتهت لكن السلام بعيد

مصطفى النعمان  كانت المشاورات اليمنية – اليمنية التي انعقدت في الرياض برعاية مجلس التعاون لدول …