الرئيسية / كلمة العدد / في البدء كانت الكلمة
مودي حكيم
مودي حكيم

في البدء كانت الكلمة

“اللغة سكن للإنسان، وأن كلمةً قد تنسف العالم، وكلمة قد تعيد بناءه”، مقولة آمنت بها الشاعرة أنيز كولتز “94 عامًا”، وهو ما آمن به الأديب والكاتب والشاعر والصحفي والمدرس والروائي، جرجي زيدان عندما أسس مجلة الهلال، التي تعتبر واحدة من أعرق وأقدم المجلات الأدبية في العالم العربي، وصدر العدد الأول منها عام 1892 وكتب بها العديد من كبار الكتاب.

وافق شهر سبتمبر ذكرى صدور العدد الأول من مجلة الهلال، الصادرة عن مؤسسة دار الهلال، لتعد بذلك أول مجلة ثقافية شهرية عربية، وتحتفل المجلة هذا الشهر بالذكرى 130 عامًا على صدورها بإصدار عدد تذكاري يرصد تاريخ مصر المصور، شارك فيه عدد كبير من الكتاب والمصورين تحت عنوان: “مصر المصورة.. ذاكرة الإنسان والمكان بالفوتوغرافيا”، وفي شهر سبتمبر منذ 45 عامًا صدر العدد الأول من مجلة الفيصل.

 

كان صدور مجلة الفيصل حدثًا ثقافيًّا مهمًّا في المملكة السعودية، فقد خرجت رصينة في موادها، متنوعة في القضايا التي تطرحها، متناغمة مع الجديد والقديم، وحديثة في إخراجها. فكأنه أريدَ بها أن تنافس مجلة «العربي» أولًا، التي كانت الرقم الأول في التوزيع على المستوى العربي، وقد كانت العربي خطوة جديدة في الصحافة الثقافية العربية لمثل ذلك النوع من المجلات، بعد أن اختفت مجلات كان لها وزنها الأدبي والعلمي، مثل مجلة المقتطف ورئيس تحريرها يعقوب صروف، التي صدرت في 1876 حتى 1952، ومجلة الرسالة رأس تحريرها أحمد حسن الزيات، صدرت في 1932 حتى 1965، ومجلة الثقافة من 1939 إلى 1952، ورئيس تحريرها أحمد أمين، وبعد 40 سنة من التوقف أعيد إصدار “الثقافة” في يناير 1957 في عهد وزير الإرشاد المفكر البارز فتحي رضوان، برئاسة تحرير د. محمد عوض محمد، ثم توالى على رئاسة التحرير كل من د. حسين فوزي، وعلي الراعي، ويحيى حقي (الذي فوض للناقد شكري عياد رئاسة التحرير في الأشهر الأخيرة عام 1970) ود. عبد القادر القط. ثم أغلقت في أكتوبر 1971 مع مجلات مصرية أخرى فيما اعتبره مثقفون مصريون “مذبحة مجلات” في عهد الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، بعدها دخلت مجلة «الدوحة» في المنافسة، بصدور العدد الأول في نوفمبر عام 1969 كمجلة تعنى بالثقافة والفنون في قطر. وفي عام 1976 أخذت توجهها العربي لتعنى بشؤون الثقافة العربية من المحيط إلى الخليج، واستمرت حتى يناير عام 1986، عندما توقفت في ذروة مجدها في ظل رئاسة تحرير الناقد الراحل رجاء النقاش، واستأنفت المجلة الصدور مجددًا في نوفمبر 2007.

 

ضم العدد الأول من مجلة الفيصل في صفحاته التي قاربت على المائتي صفحة مقالًا للكاتب أحمد محمد جمال، عضو مجلس الشورى السعودي عن “منهج الإسلام إيمان وعرفان”، وكتب عبد القدوس الأنصاري صاحب ورئيس تحرير مجلة المنهل عن “العرب والإسلام”، وملف مصور عن “الخيل.. ذلك العالم المجهول”، وقصة “الظمأ” للكاتب السعودي عبد الله جفري، أما الدكتور عبد المحسن صالح فكتب عن “كنوز هائلة.. تلك البتروكيمائيات”، والدكتورة سامية أحمد أسعد، عن اللغات الأجنبية والعصر الحديث، وفي الفن التشكيلي كتب الفنان السعودي محمد مرسي السليم، خريج أكاديمية فلورنسا للفنون الجميلة عن “الفن التشكيلي في المملكة.. كيف نشأ” من خلال التقنية الحديثة وتأثيرات المدارس المختلفة، أين يقع.. كيف كانت البدايات.. وما هو مستقبل هذا الفن؟ أما كاتبنا الشاب المصري فتحي العشري، فاستعرض كتاب “الرواية المغربية.. من أين وإلى أين” تأليف عبد الكريم خطيبي.

 

وشارك صديق الزمن الجميل د. سمير سرحان، الذي جمعتني به وزوجته، زميلتي في بدايات العمل الصحفي الأديبة نهاد جاد، مع ابنيه الصغيرين أيام وليالٍ من المتعة الثقافية والعطاء بلا حدود، في القاهرة بمنزلهما بشارع بطرس غالي بمصر الجديدة، أو في مسكني بمنطقة قريطم ببيروت، وأيضًا في منزله بمدينة جدة أثناء عمله وإقامته بالمملكة، شارك في العدد الأول بمقال تحت عنوان “أزمة الفن في عالمنا المعاصر”، وكان وقتها سرحان أستاذًا مشاركًا للدراما والأدب الإنجليزي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، لخص الأزمة في مقاله بأن الفن والأدب يمر في عصرنا هذا بأزمة لم يشهدها من قبل، فمنذ أوائل الستينيات من هذا القرن ظهر ما يسمى “الثورة التكنولوجية”، التي نقلت البشرية من العصر الصناعي الأول الذي يعتمد على الآلات التقليدية إلى العصر الصناعي الثاني، الذي يعتمد على الإلكترونيات والكمبيوتر.

 

وكانت الانتصارات العلمية في هذا العصر الصناعي الثاني من الضخامة والإبهار بحيث أصبح المهتمون بالثقافة النظرية والفن يُشّكَونْ في مستقبل هذا النوع من النشاط الإنساني، بل ويعلنون حلول نهايته، مفسرًا ومتسائلًا: من ذا الذي يهتم بقراءة رواية أو النظر إلى لوحة أو الإصغاء إلى قصيدة من الشعر؟ في عصر الصعود إلى القمر والصواريخ العابرة للقارات، والكمبيوتر الذي يؤدي ملايين العمليات الحسابية في ثوانٍ معدودة.

 

كان سمير سرحان متيقظًا للمشكلة التي تواجه المثقفين والفنانين والأدباء قبل أكثر من خمسين عامًا، ومولد عصر التكنولوجيا الرقمية عندما كتب مقاله في مجلة “الفيصل”، مذكرًا ومستشهدًا بقول “بلزاك” وهو يدون روايته “الكوميديا الإنسانية”، إن هذا المجتمع هو الذي كان يملي عليه الرواية، أما دوره فكان ينحصر في التدوين، وهذا القول وإن كان ينطوي على مبالغة فنية من “بلزاك” إلا أنه يوضح فيه حقيقة مهمة، وهي أن الرواية كشكل فني كانت مرآة للمجتمع بعاداته وتقاليده، وأنماط سلوكه وتركيبته.

 

ومن منطلق وتفسير “بلزاك” حاول سرحان الوصول للحل والخروج من الأزمة التي يعانيها الفن كمرأة تعكس صورة أمينة للواقع، من الصعب أن تنافس الفنون التصويرية كالتليفزيون والسينما التي أصبحت أكثر قدرة من الكلمة المكتوبة على نقل صورة أكثر أمانة للواقع، فهذه الوسائل- كونها بطبيعتها واقعية- لا يمكن للأدب أو الفنون التشكيلية منافستها في نقل أبعاد الواقع كما هو، والوسيلة- كما يراها سرحان- هي أن نعترف للأدب والفن بدوره في حياتنا الذي يختلف تمامًا عن دور الصحافة من ناحية، ودور الوسائل التصويرية كالسينما والتليفزيون من ناحية أخرى، وهو أن يكون فوق الواقعية، بمعنى أن الآدب والفن الجاد لا يتصدى لتصوير الواقع كما هو، فهذه وظيفة تؤديها الوسائل التصويرية، وبالإضافة إلى أن الأدب غير قادر على هذا، نظرًا لتشابك الواقع، فإن عليه أن يمدنا برؤية جديدة، ومهمة الفنان والأديب ليس أن يعطينا صورة مطابقة للواقع لأنه مهما بذل من جهد لا يقدر على أكثر من تصوير جزء ضئيل منه، وإنما تكون مهمته الأساسية اكتشاف المعنى أو النمط الذي يكون وراء الواقع، باكتشاف العلاقات الخفية التي تربط أجزاء الواقع المتناثرة بعضها البعض، وعندئذ يستطيع الأدب والفن أن يؤدي دورًا فريدًا في حياتنا لا غنى عنه، ويظل الإنسان دائما شغوفًا باكتشاف المعنى الذي يكمن وراء الحياة التي نعيشها، فإذا قام الأدب والفن بهذه الوظيفة سوف يظل يلبي حاجة أساسية من حاجات الإنسان، مثلها مثل الطعام والشراب والنوم، وعندئذ لن يكون هناك خوف على مستقبل الأدب والفن في عصر الإلكترونيات والأقمار الصناعية.

 

انطلقت مجلة الفيصل كمجلة ثقافية شهرية لتصدر كمنبر فكري يتابع الجديد الثقافي، ووجهة لكل مقال جاد في مادته وراقٍ في المحتوى، وانتشرت المجلة، وكانت ذات زخم واسع سعوديا وعربيًا في عصر المجلات الثقافية الذهبي، وما زالت تصدر، ولكن غادرها الصافي بعد أن تقدم به السن، وبعد أن ساهم بستة عشر عاما من عمره الثمانين بالعطاء لمجلة “الفيصل”، مسجلًا نجاحًا في عالم الكتاب، معمرًا ومثريًا للذاكرة الثقافية العربية، أنتج في أدب المقالة بغزارة باسمه، وتحت اسمين مستعارين “ليلى سليمان” و”مسمار” بقلم مشاكس حرك الساكن، وأثار الأسئلة، أدار الصراع بين أدب الشيوخ والشباب وأدب المرأة، ثم تعاقب على رئاسة “الفيصل” الدكتور زيد الحسين، وما زالت تصدر حتى اليوم.

شاهد أيضاً

مودي حكيم

الغربة الثانية (٥٠)
وفي النهاية…قتلوه ..

ترددت كثيرا وأنا أكتب عن حكاية خطف اللوزي وإغتياله، فالحدوتة معروفة ويتكرر إعادة تناولها كل …