الرئيسية / صحافة ورأي / انعطاف “إنستجرام” نحو الفيديو قد يؤذن بموته

انعطاف “إنستجرام” نحو الفيديو قد يؤذن بموته

أعلنت إحدى صديقاتي المقربات ارتباطها بشكل علني، ولكن لم يكن لدي أدنى فكرة عن ذلك. “ألم تري المنشور؟” سألتني صديقة أخرى متفاجئة. كلا، قلت لها ولا حتى على راداري الخاص. لم أتمكن من رؤية الإعلان إلا بعد أن بحثت عن حساب صديقتي على “إنستغرام” ووجدت تحته مئات الإعجابات وبعض التعليقات المهنئة والمباركة. بعبارات أخرى، إنه منشور مهم، فكيف فاتني ذلك؟

لست الشخص الوحيد الذي يطرح هذا السؤال. ففي الواقع، منذ بعض الوقت بدأ مستخدمو “إنستغرام” يتحسرون ويمتعضون من تفويتهم بعض المنشورات على الصفحة الرئيسة ويلاحظون بالتالي انخفاضاً ملحوظاً في عدد التفاعلات على تلك المنشورات. ولأسباب بديهية، شكل هذا الأمر موضع انزعاج وشكوى من بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي والأشخاص الذين يتمتعون بعدد هائل من المتابعين. واتهموا المنصة بأنها تخفي المنشورات التي لا تتضمن فيديوهات، وذلك لأن تلك الأخيرة تحظى بالعدد الأكبر من التفاعلات.

وبلغت الانتقادات ذروتها يوم الإثنين، بعد أن دعت نجمتا مواقع التواصل الاجتماعي كايلي جينر وكيم كارداشيان (360 مليون و362 مليون متابع على التوالي) المنصة إلى “إعادة إنستغرام إلى سابق عهده”، وشاركتا منشوراً لقي انتشاراً واسعاً أطلقته المصورة الفوتوغرافية تاتي برونينغ التي تتخذ مقراً لها في لوس أنجليس وجاء فيه: “أوقفوا محاولة التحول إلى تيك توك، أود أن أرى الصور الجميلة لأصدقائي”.

وفي العبارة المرفقة، دعت برونينغ متابعيها إلى “بدء التحرك” وتوقيع عريضة لإعادة الخلاصة الزمنية (تايم لاين). وجاء في العريضة التي جمعت حتى اليوم أكثر من 132 ألف توقيع: “لنعد إلى جذورنا مع إنستغرام ولنتذكر أن الغرض منه هو مشاركة الصور. من المجحف تحويل الخوارزمية بالنسبة لصانعي المحتوى الذين يكسبون عيشهم من ذلك، والذين قدموا مساهمات للمجتمع وإجبارهم على تغيير الاتجاه الكامل لمحتواهم وأسلوب حياتهم بما يتلاءم مع الخوارزمية الجديدة”.

وتنامى حديث مماثل في المملكة المتحدة أيضاً. وفي هذا الشأن، قال لي المؤلف وكاتب العمود في مجلة “فوغ” رايفن سميث، إنه شعر بالذعر خلال الأسابيع الماضية بسبب تراجع ملحوظ ومفاجئ في التفاعل على حسابه الشهير على “إنستغرام”. وكشف قائلاً، “صدقاً، اعتقدت أنني فقدت حس الفكاهة لدي. لهذا شعرت بالارتياح عندما عرفت بأن الخوارزمية الجديدة تقمع منشوراتي”. 

وليس سميث الشخص الوحيد. ففي مطلع الأسبوع الجاري، غردت الكاتبة ومقدمة البودكاست إيما غانون بأن علاقتها مع “إنستغرام” “في حالة حرجة” نتيجة للتحول إلى التركيز على الفيديو. وكتبت قائلة: “يبدو أنك في حال لم ترغب بنشر فيديوهات… يقومون بحجب منشوراتك عن متابعيك، ولم يعد هنالك من فائدة للوجود هناك”، مضيفةً أنها ستنشر محتوى “أقل بكثير” على المنصة من الآن فصاعداً وستوجه جهودها عوضاً عن ذلك إلى موقع “سابستاك” الذي يحظى بشعبية متزايدة.

ورد مئات الأشخاص بمن فيهم المؤلفان ريني-إيدو لودج وسالي هيوغ على تغريدة غانون متفقين معها على ما أوردته وأشاروا إلى أنهم أيضاً أصبحوا غاضبين من تركيز المنصة على الفيديو. وكتبت النائبة في البرلمان جيس فيليبس: “أصبحت أكرهه حرفياً. كل ما يظهر أمامي عبارة عن فيديوهات عن أظافر الأشخاص وعن كيفية قلي الأطعمة”.

ولكن الأمر لا يتعلق بالغوص في فيديوهات مزعجة وصاخبة وحسب. بالنسبة إلى المؤثرين وأولئك الذين تعتمد أعمالهم ومسيرتهم المهنية على التفاعل الكبير، بوسع التحول إلى عبد لخوارزمية “إنستغرام” التي لا تنفك تتغير أن يترك تداعيات مالية خصوصاً إن كان المحتوى الذي يقدمونه لا يرتكز على الفيديو. لنأخذ مثلاً الكاتبة والمذيعة كاميل شاريير التي تملك أكثر من مليون متابع، وهي من بين الذين يطالبون “إنستغرام” بالعودة إلى الاحتفال بالمحتوى القائم على الصور ومنح الأولوية لدمج صناع المحتوى الذين أسهموا في ازدهار الأعمال. وأضافت قائلةً: “إن الأمر فعلياً هو انهيار للسوق، هذا ما يبدو عليه، من المحبط أن ترى أن محتواك لم يعد يصل إلى الأشخاص الذين اختاروا متابعتك”.

بالنسبة لشاريير التي بدأت أخيراً بالنشر أكثر على “تيك توك”، أدت تلك التغييرات إلى جعلها تفكر في التحول إلى منصة أخرى. وتتابع: “إن مستوى قلة الاحترام فاضح. نحن المنتج على إنستغرام. وكل وقت نقضيه حالياً على المنصة يتمحور حول محاولة فهم الخوارزمية الجديدة بعد أن أمضينا سنوات في فهم الخوارزمية القديمة وبناء أعمالنا حولها. أصبح الأمر يتعلق بجني إنستغرام الأموال بطريقة غير عادلة”.

على الرغم من أن “إنستغرام” أنشئ عام 2010 كتطبيق لمشاركة الصور، أوضحت الشركة المالكة له “ميتا” (فيسبوك سابقاً) أن التطبيق يمنح الأولوية حالياً لمقاطع فيديو “ريلز” (reels) قبل كل شيء آخر. وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت الشركة عن مجموعة من المزايا الجديدة بما في ذلك أنماط وتحسينات في مزج الفيديوهات (ريميكس)، وتهدف كلها إلى تسهيل صنع الفيديوهات وجعلها مرئية أكثر على صفحة التزويدات “feed” الخاصة بالمستخدمين.

كل ما تحتاجون فعله هو إلقاء نظرة سريعة على صفحة التزويدات الخاصة بكم لتروا كيف أصبحت مقاطع الفيديو تهيمن على التطبيق: صفحتي الخاصة مليئة بالفيديوهات عن الأحذية والهررة التي تتدحرج على ظهرها. قد يكون ذلك وصفاً عادلاً لاهتماماتي، ولكنه لا يعني أن هذا ما أود رؤيته وحسب. حتى إن صفحة التزويدات الرئيسة تعرضت للغزو من قبل المنشورات “التي ينصح بها” من مستخدمين لا أتابعهم وليس لدي أي اهتمام بمتابعتهم. أصبح الأمر كناية إما عن هذه المنشورات أو الإعلانات. أين ذهبت منشورات أصدقائي، وصور عطلاتهم؟ وصور حيواناتهم الأليفة؟ لعلني هنا أضم صوتي إلى كل من جينر وكارداشيان، أود أن أرى “الصور الجميلة لأصدقائي” وحسب.

لا شك أن سبب قيام “إنستغرام” بهذا معروف. بفضل “تيك توك”، غالباً ما تحظى الفيديوهات بأعلى قدر من التفاعل في جميع المنصات. الطلب على ذلك صاروخي، وكون “إنستغرام” شركة تجارية، سيكون من الإهمال والتقصير عدم محاكاة ذلك وأقلمة خدماتها بما يتلاءم مع التطورات الجديدة، ولكن هل يجب عليها حقاً فعل ذلك؟

تتمثل إحدى أبرز نقاط الاختلاف بين “إنستغرام” و”تيك توك” في أن الأخير يجمع البيانات بشكل قوي جداً، وفيما شكل هذا الأمر مدعاة انتقاد للتطبيق، بيد أن ذلك يعني أنه أصبح جيداً بشكل ملحوظ في إظهار أمور للمستخدمين يعتقد أنها قد تعجبهم انطلاقاً من المعلومات التي يحصل عليها. “إنستغرام” مختلف كلياً.

وتقول شاريير: “تكمن المفارقة في أن خوارزمية إنستغرام لم تبن أبداً على هذا النوع من المشاركة، بل هي قائمة على المحيط الاجتماعي: تقوم بمتابعة أصدقائك وتبني شبكة ترتكز على عملك، إنها منصة اجتماعية. يحب كثير من الأشخاص استخدام إنستغرام لبناء جمالية معينة، لا نحتاج إلى منصة أخرى لتعرض لنا أموراً قد تعجبنا”.

انطلاقاً من التعليقات التي رصدناها عبر الإنترنت، يبدو أن العالم لا يريد منصة “تيك توك” إضافية، بل يريدون أن يعود “إنستغرام” إلى سابق عهده، ولكن على الرغم من كل الانتقادات وردود الفعل السلبية، لا يبدو أن الأمر سيتحقق في وقت قريب. في الواقع، قد تسوء المشكلة أكثر. يوم الثلاثاء، رد رئيس “إنستغرام” آدم موسيري بشكل مباشر على حسابه الخاص في خطوة بارعة استخدم فيها الفيديو طبعاً.

وطمأن المستخدمين قائلاً، “سنستمر في دعم الصور، إنه جزء من إرثنا. ولكنني سأكون صريحاً. أعتقد أن إنستغرام سيتحول في جزء كبير منه مع الوقت ليضم المزيد من مقاطع الفيديو… إذا نظرتم إلى ما يحب المستخدمون استعماله ومشاهدته على إنستغرام، سترون أن هذا الجانب أيضاً يشهد تحولاً تدريجياً نحو الفيديو… بالتالي، علينا أن نجاري هذا التحول مع استمرارنا بدعم الصور”.

من الواضح أن القرار متعلق بالأعمال، بيد أن عدد الشركات التي ستستفيد من الأمر إلى جانب “ميتا” ما زال غير معروف. “يبدو أن أقوى ما يمكنكم القيام به في هذه المرحلة هو الخروج من التطبيق”. تقول شاريير. “من الواضح أن القول أسهل من الفعل، خصوصاً بالنسبة للأشخاص مثلي الذين لا يمكنهم التوقف عن استخدام إنستغرام بسبب عملي، ولكن الحقيقة هي أنني أفضل التركيز على منصات أخرى كأولوية: إنها الطريقة الوحيدة التي نعبر من خلالها عن اعتراضنا”.

© The Independent

شاهد أيضاً

فن الإلهاء

سناء الجاك – كاتبة وصحافية لبنانية ليس أفضل لـ”حزب الله” من إثارة الجدال بشأن كل …