
سَالَ, في الآونة الأخيرة, حِبرٌ كثيرٌ على مسألة التربية والتعليم في البلاد, وكثُر الذين شَكوا يَراعَهُمُ في الموضوع, و جَدّوا في البحث والإستخلاص, والمقارنة بين ما عندنا و ما عند دول الناس الآخرين من مناهج ونظريات تربوية.
وأجدني أغمس ريشتي مجدداً في تلك المسألة, بعد رنّة الحزن التي وشحت كلام رئيس البلاد وهو يتحدث عن 700 ألف خريج جامعى سنويًا… ويستحوذ عليه الأسى، وهو يذكر أن 300 ألف خريج في أقسام هندسة الإتصالات والمعلوماتية وهندسة الكومبيوتر أُختُبروا لإختيار موظفين في هذه الإختصاصات, خصوصاً أن النقص يبلغ مليون وظيفة فى مجال البرمجة… فتبين بعد هذا الإختبار أن المعايير إلا تنطبق إلا على 111 شخصاً فقط ! ففسّر الرئيس هذا بأن “التعليم ضعيف”, وهي, لعمري, كلمة مهذبة جدا.
إن عدم التخطيط فى التعليم العالى ووجود رؤية مستقبلية لإحتياجات سوق العمل هي المعضلة الكبرى. أتذكر أنه فى مرحلة دراستي الجامعية, عندما مِلتُ الى دراسة الفنون الجميلة, لم يكن في المحروسة غير الفنون الجميلة والفنون التطبيقية. أما اليوم فهناك حوالى 11 كلية فنون جميلة و6 كليات فنون تطبيقية في سوق عمل لاتحتاج الي فنانين. وعندما إلتحقت بكلية الفنون, كانت سوق العمل تحتاج مهندسين فى الميكانيكا, فتهافت معظم حملة الثانوية العامة على كليات الهندسة قسم “ميكانيكا”, وعند تخرجهم لم يجدوا عملاً, ذلك أن عدد الخريجين تعّدى إحتياجات سوق العمل.
لقد بتنا اليوم نرى تزايداً في عدد المستثمرين “غير المؤهلين” فى التعليم المدرسي والجامعي, بهدف جني المال. وسمعنا تعبيراً قميئاً يقال للمدرسين: “لا تُغضِبوا التلاميذ فهم يدفعون رواتبكم”… فانعدم الإحترام بين طالب العلم وأستاذه.
وبتنا نرى جامعات خاصة تباع فيها الشهادات وتشترى, فوضعت نفسها في ذيل ترتيب الجامعات في العالم.
وعندما صار عندنا جامعات للأبحاث مثل ” زويل” و “النيل”، دبّت الخلافات وبدأ صراع التنازع على أراضيها .
فى دول العالم يتجه خريجو الجامعات نحو المهن المتخصصة لنيل شهادات تدريب, لتنمية قدراتهم للحصول على وظائف متطورة , أما نحن فنتوجه نحو الدراسات العليا وبرامج الماجستير ثم الدكتوراه.
اننا فى أشد الحاجة لإعادة النظر فى المنظومة التعليمية رمّة, ووضع مشروع السنوات الخمس لتعليم جامعي يسهم فى بناء الشخصية والثقافة والفكر، وإعادة النظر فى منظومة التنسيق لدخول الجامعة وأقسام الكليات المختلفة, وربط الدراسة باحتياجات سوق العمل لسنوات مقبلة… ناهيك عن تحديث أساليب التعليم في مراحله الثلاث: الإبتدائية والتكميلية والثانوية, وتفعيل البحث العلمي، وربط مشاريعه بالصناعة بشكل حقيقى للقضاء على الجهل والأمية الثقافية, والبطالة والعوز, والفاقة والعنف, والفكر المتطرف… حتى يتحقق الحلم بمستقبل أفضل.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة