بُهِتَ لمّا رآني. ما كان عبدالعزيز خميس يتوقع أنني سأتعجل في المجيء الى القاهرة وطلب مقابلته. فلقد كان يُمَنّي النفس, كما عرفت بعدما إنكشف المستور عن كل خبيئة, ألا أمتثل لما طلب في رسالته “التهديدية” الرعناء, فيتخلص بذلك من واحد آخر من “جماعة الشرقاوي”.
العينان في وجه الرجل غريبتان, إحداهما أكثر حدة وتحديقاً. دار بهما على وجهي, تملاني برهات, أومأ, جلست قبالته, تنحنح, وأحكم قعدته. تعثرت أصابعه بحركاتها, وهو يلملم ورقاً تبعثر على الطاولة أمامه. غشى الجلسة صمت بليد قطعته, وأتيت الأمر من مأتاه, وإخترت كلماتي بتأنٍ, وأنا أُفهمه بحسن اللباقة بأنني هنا, ليس للدفاع عن وضعي في المؤسسة, إنما عن “الفكرة”, فكرة تواجد “روز اليوسف” في أوروبا إنطلاقاً من لندن.
فبعد حريق بيروت التي كانت تتمتع بحرية النشر والتعبير, تحاول لندن, أن تكون بديلها, يسعفها في ذلك بدء توافد العرب إليها, مثقفين وكتاباً وصحفيين, بعدما فقدوا الملاذ الأمين الآمن في لبنان الذي كانوا يمارسون في رحابه حرية القول والكتابة والنشر.
كان عبدالعزيز خميس وهو يسمعني يتلهى بهزهزة قلم الحبر بأصابعه بحركة عصبية. زَمَّ عينيه, يُطل منهما إنسان شرس, ألبس وجههُ نظرة مشحونة بالخبث واللامبالاة, حاولت ألا أضَيّع توازن أفكاري, ورحت أُعَدِّد لهُ إنجازات مكتب لندن, وما قدّمه للمجلة والدار, إن على صعيد العلاقات العامة, أم الإعلان التجاري, وكيف أنها بدأت تأخذ مكاناً في الاعلام العالمي… كل ذلك, إضافة الى ما يمكن أن تؤديه للوافدين والمغتربين العرب في بريطانيا, ناهيك عن البلدان الأوروبية الأخرى.
باغته كلامي, فأجفلَ وتَمَلْمَلَ, وإمتقع وجهه, إمتص شفته السفلى مرات, ثم تسرَّبَت على شفتيه ضحكة خبيثة و ماكرة. حك جلدة رأسه, كأنه يخلط الكلام فيه.
دارت عينا عبدالعزيز خميس في محجريهما دورة سريعة, كَتَمَ غيظاً بدأ يتسرَّبُ الى ملامح وجهه, أحسست بلسع نظراته على وجهي, وأدركتُ أنني إستمكنتُ منهُ.
حَرَّكَ شدقيه بحركة غريبة, فتسربت كلمات ملتوية, راح يعلكها علكاً, ويتلعثم, مغاصباً نبراته, ولا يعرف أن يبروز كل كلمة, قبل أن يخرجها من حبس شفتيه.
فكان كلامه خارج السياق, وكأنه تعمد تجاهل كا ما قلته وعرضته, فراح يشرح ويزيد, وتتضخم عروق رقبته, وهو يتكلم وينفعل, ولا تهمد حركة يده اليمنى من التلويح في فضاء الغرفة, بينما يده اليسرى مستريحة على طاولة المكتب.
نَبِهَ لتهوره, وإنسياقه في الكلام, فسكت.
غالبت ذهولي, وأدركت, وهو يتكلم, أنَّ الرجل الذي نما فيَّ الفضول الى معرفته, ما هو إلاَّ “دمية” يحركها الرئيس الذي عينه, ولا يهمه من أمر “روز اليوسف”, المجلة والدار, سوى مرضاة “الريّس”, رفيقه في قضية مقتل أمين عثمان, فما جئت أعرضه عليه وأستفيض في شرح أهميته, هو بالنسبة إليه, كما قال لويس جريس, “وجع راس” هو في غنى عنه, ولا يريده, وليس مطلوباً منه أساساً”.
فالرجل لا دخل له بالإعلام وبإدارة المؤسسات الصحفية, ولا يتمتع برؤية إستشرافية, ولا حتى بموهبة الكتابة, اللهم “غواية” تجميع الكلمات وستفها فيما يسميه, زوراً وبهتاناً, بأنه “شعر”, وهو في الحق لا يمت الى الشعر بصلة قربى!
وفجأة سكت, بحث عن كوب الماء , أفرغ ما فيه في جوفه, مَسَحَ شفتيه بمنديل أخرجه من جيب سترته, إنتظر أن أردَّ, سقط نظره على وجهي لمّا رآني أتحفز للكلام:
” يبدو لي, أن لا شيء ذكرته لك عن أهمية تواجد “روز اليوسف”, في أوروبا, يلغي قرار إغلاق مكتب لندن ؟”.
أزعجه سؤالي, تَبَرَّمَ, قَطَّبَ, لوى عنقهُ بخفة:
” يا أستاذ, القرار لا رجعة عنه…”.
قال بنبرة حاول أن يثبت فيها على أنه الموحى له, المدعوم من “فوق”, فأصبح معصوماً, لا يُرَد له طلب, ولا أحد يرفض الإذعان لمشيئته, و حتى يجرؤ على مجرد السؤال البديهي.
لم يترك لي مجلاً للتفاوض بشأن تقاضي أي تعويض مالي عن سنوات عملي في الدار, رفض مجرد البحث أو النقاش, إعتبر أنني إستقلت, أو أنني مُقال, بحكم عدم إمتثالي للعودة الى العمل تحت إدارته.
وقفت, زررت سترتي, وقف, أدرت له ظهري, ومشيت نحو باب غرفة المكتب, ظل واقفاً , دهشاً.
كان لويس جريس, ينتظرني في مكتبه, أخبرته بالحرف ما دار بيني وبين خميس, هزَّ برأسه, وأطرق يُفكِّرُ, فهو أصبح مهمشاً, مُبعداً, يصبر على مضض منه, وينتظر, مثل كثيرين, الفرصة للتخلص من “صديق الرّيس”, فما عدت له مجيراً, وما أردت إحراجه, ونكيء جرحه النازف.
” إرفع قضية… إرفع قضية ضد الدار, إن ما قام به عبدالعزيز خميس هو إجراء تعسفي”.
ضربَ لويس جريس قبضته على الطاولة. أكمل:
“فايز حاضر…”.
وفايز هو شقيقه المحامي الضليع في قضايا العمل.
رفع لويس جريس سماعة الهاتف, أدار القرص و رسم رقم مكتب شقيقه, ضرب لي موعداً معه لتحضير الملف, وتقديم الدعوى.
وكان اللقاء مع فايز جريس, سجل أقوالي وأرفقها بكل ما أحضرته له من وثائق ومراسلات… فتشكل ملف الدعوى, رفعها فايز جريس, وتبّلغها عبد العزيز خميس ومرسي الشافعي.
ودار خبر الدعوى القضائية, من أذن الى أذن, الأمر الذي أربك عبد العزيز خميس.
ودخلت الدعوى في نفق القضاء, وتنقل ملفها من قاضٍ الى آخر, تعقد جلسة وتؤجل, تُعقد أخرى, يغيب محامي “روز اليوسف”, تؤجل مرة أخرى, وبين القاضي والقاضي قاضٍ آخر. يتمرجح ملف الدعوى, وتكرج السنوات, وتطويني الغربة الثانية في بلاد الإنجليز, وإستمر ملف الدعوى يفتحه قاضٍ ويغلقه آخر. وعندما عدت الى مصر وسألت، قيل لي أن النظر في الدعوى ما زال يؤجل من حين الى آخر… فقررت سحبها, والتخلي عنها, فأرحت الأستاذ فايز جريس وأرحت نفسي!
روى لي الزميل والصديق الودود محمود المراغي زوج الزميلة نجاح عمر (التي دار قلمها على صفحات “صباح الخير” فبرزت ولمع نجمها) وكان, زمنذاك, مديراً لتحرير “روز اليوسف”، أن عبدالعزيز خميس في اليوم التالي من تعيينه, عقد إجتماعاً لأسرة تحرير مطبوعات الدار.
وقف وقال, وتطاولت عليه الأعناق, وكان صمت لسماع ما عند “الأستاذ”. فراح يجمع الكلام, واصفاً مدى إمتعاض القيادة السياسية, وغضبها الشديد مما يكتب في مجلة “روز اليوسف” وماتتناوله “صباح الخير” من غمز ولمز إن في الكلام أم في الرسومات الكاريكاتورية. وقال بنبرات حادة, أنه يجب إغلاق ما سماه “الصفحة السوداء”, وفتح صفحة جديدة, لسياسة تحريرية متطورة ومختلفة.
وراح بمستطيل الكلام يعرض ما يفكر به… ولم يجادله أحد: سيطر على بعضهم العقل السمعي الطائع, وعلى بعضهم الآخر الإستهزاء بآراء الأستاذ, فما عرضه توافه ليست جديرة بتحريك الشفاه.
وحده محمود المراغي طلب الكلام, ولما أُعطيه, إعترض على ما كان عبدالعزيز خميس سماه” شرعية التغيير”, فهي كما عرضها “الأستاذ” تجعل “روز اليوسف” تفقد قراءها, فينخفض التوزيع بعدما كان تجاوز أرقاماً ما عرفتها الصحافة المصرية من قبل, وجعلتها الأولى من دون منازع.
إنتفض عبدالعزيز خميس, وقال بصوت يشي بضيقه, و بالفم الملآن:
“أنا, يا استاذ, لا تشغلني أرقام التوزيع”.
وأخذ يدافع عن تصرف ملؤه الأخطاء وتجاوز قواعد وأصول المهنة. وسكت, تنبه أن العيون تنغرس في وجهه, أكمل بصوت عالٍ:
“إن شاء الله ما إتوزعت.. همّا القراء إللي يمّشونا على كيفهم, وإلاّ إيه”.
أيبست الدهشة ألسنة من حضر ذلك الإجتماع, فأي كلام يمكن أن يقال بعد كلام “الأستاذ”, الذي أعلن فيه تقويض كل ما بناه الثنائي عبد الرحمن الشرقاوي ولويس جريس, وما خططا له وأعداه لتطوير مجلتي الدار.
وراحت مساحة الحرية في “روز اليوسف تتقلص, فقدت شيخة المجلات المصرية, بريقها و رونقها, وطلّتها الأسبوعية الحلوة, بهتت ألوانها, ما عاد لكلامها أي معنى ومغزى, أصبح مُدَجَّناً, موحى به من “فوق”. فأعرض القراء عنها و تركوها, ما عادوا سألوا الباعة عنها, فإنخفض التوزيع الى مستويات دنيا.
قال لي, واحد كان صديقاً عليَّ واداً مودوداً:
” نفّذ عبدالعزيز خميس ما أوحى له وطُلب منه, وهو تحويل مجلة “روز اليوسف” الى صحيفة كالماء لا لون لها ولا طعم ولا رائحة”.
***
كان علي أن أطوي الجرح ، وأتجلد بالصبر، وأجد السبيل للخروج من الأزمة !
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة