الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (8)
«روز اليوسف» في وجه العاصفة!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (8)
«روز اليوسف» في وجه العاصفة!

” البُعادُ, أحياناً, هو شرط الدنو”.

كلام نازل منازله في صواب الأمور وسدادها. لست أذكر من ذا الكاتب الذي أجاد به.

فبعادك عن بلدك يُقربه منك أكثر, يلحُّ عليك الشوق إليه, وتشعر أنك تحتاجه, تريدُ أن تتسقط أخباره, أن تعرف ما يدور فيه, وحوله, وحواليه, وما يُعَدُّ له في قصور الحكم, وخلف الأبواب الموصدة, والغرف المعتمة… ولا تكتفي بالأخبار التي تنفلش وتتمدد على الأعمدة الملزوزة, والصفحات المطولة,… فأنت تعرف, أكثر من غيرك, في أي دواة حبر إنغمست أقلام كُتّابها ومدبجيها, وبأي لون حبر يلونون الكلمات. والأهم أنك تعرف ما هو مُحَلل نشره, وما هو مُحرم عليك وعلى أمثالك من الذين طوتهم الغربة, قراءته ومعرفته.

كانت مصر, بَعْدُ, نشوانة بالنصر ورد الإعتبار, والعبور وإسترجاع الأرض, وإكليل الغار الذي لبسه أنور السادات، عن حق وإستحقاق, كان لم يزل طرياً, ندياً, عندما أطلق سياسة “الإنفتاح” الإقتصادي والسياسي… فراح يغازل الصحافيين ويخطب ودَّهم, فنزل عند طلب عبد المنعم الصاوي ومجلس نقابة الصحافيين, فوافق على تعديل “جزئي” لأجور الصحافيين، وأتبع ذلك بقرار “إلغاء الرقابة”…

وصدّقه كثيرون, وأنا بينهم, فالرجل خَبِر العمل الصحافي, وتولى إدارة مجلة “التحرير” التي كانت لسان حال ضباط الثورة ومجلسهم, ثم ترأس تحرير جريدة” الجمهورية”. ولا بد أنه عرف وقتها أهمية أن تكون الكلمة “حرة”, غير مقيدة برقيب يمنع وصولها الى الناس, وبما له من سطوة, يحلل ويحرم, يقص بمقصه الطويل, ويشطب بالقلم الأسود العريض.

وأين عينك, فترى, عندما أطلق حرية إصدار الصحف, كم جريدة صدرت: “الأهالي”, “الأحرار”, “الشعب”      و “الوفد” و… ترافق ذلك كله مع حرية إنشاء الأحزاب.

ولأول مرة من زمن, أصبح للمواطن العصمة لإختيار ما يريد قراءته, أو الإنضواء تحت لواء ما يختار من أحزاب وتكتلات.

ولم يمض كثير وقت, حتى أدركنا أننا “خُدِعْنا”…  فلقد خَدَعَنا “الريس”, وإستبدل الرقيب برئيس التحرير!

وراح يُعين في المؤسسات الصحافية من يعرف أنهم لن يحيدوا عن الدرب التي شقها لهم, ومن خلالهم أحكم قبضته على الجرائد والمجلات, ولوّن حبرها كما يحلو له.

فإستمرت بذلك “الرقابة”, وهذه المرة من خلال  التعليمات والتوجيهات, الشفوية والمكتوبة, في أحايين كثيرة, لرؤساء التحرير, فيما يريد وما لا يريد, فيما يجب أن يُكتب, وما لا يجب أن يُذكر ويُنشر, ما يستملحه وما يستهجنه من كلام. فباتت الصحافة تتلظى وتتكوى من تلك المنكرات والتلاعبات السياسية الخرقاء. فساد الشقاق بين الصحافيين والكُتّاب, وبين رؤساء التحرير, بعدما إكتشفوا ولمسوا مدى تواطؤ هؤلاء ودورهم في خدمة       ” السلطة”, ونيل الرضا منها والقبول على حساب  سمعة وكرامة المهنة وحقوق الصحافيين.

ولم يسلم رؤساء التحرير من التأنيب, حيناً, والتوبيخ بمستطيل الكلام, أحياناً أخرى، إذا ما قرأ “الريس” ما لا يعجبه, أو أعطي أحدهم الأولوية الى المهنية في عمل ما بدلا من الأوامر والتعليمات, وتجاوز ما يطلب, وما لا يرغب فيه.

وكان لا يمر صباح على عبد الرحمن الشرقاوي, من دون تلقيه إتصالاً من الرئيس السادات, ويسمع من في المكتب صوت “الريس” الرخيم وهو يعاتب  الشرقاوي على  ماكتب صلاح حافظ و عبد الستار الطويلة, وكيف سمح بنشره.

وتتغير نبرة السادات, وهو يغلظ الكلام عن كاريكاتور الليثي و حجازي.

وكان إحسان عبد القدوس, عندما تولى “الأهرام”, يشارك عبدالرحمن الشرقاوي, المعاناة نفسها. فكان يتلقى “مكالمة الصباح”, كما كان يسميها ويشكو منها, والعتب والإعتراض لا يتوقف عند أخبار تنشرها شيخة الجرائد, إنما تتعداها الى “مجلة الطليعة “, وما  يُكتب فيها ويُنشر. ولا بد كل صباح من التوقف عند كاريكاتور صلاح جاهين.

ولم يكتف الرئيس السادات بالإعتراض والتأنيب والتوبيخ, الذي كان أحياناً يجنح الى التحذير,  بل كان يتصل برؤساء التحرير لسؤالهم حول ما سيكتبون!

وكان من العادي جداً أن يتصل بمطبخ” الأهرام”, للسؤال عن”مانشيتات” الصفحة الأولى قبل صدورها … وتغييرها إذا لم يستملحها “الريّس”.

وتتابعت حالات التضييق على الصحف, والتنكيل ببعض الصحافيين, ومنعهم من الكتابة وحرمان بعضهم الآخر من أداء عمله, وتهديده بالفصل عقاباً …

كما شهدت تلك المرحلة العصيبة من تاريخ الصحافة “هجرة الصحافيين” الى دول الخليج. وكانت الإمارات العربية المتحدة محطتهم الفضلى. وعندما  إزداد عدد المجلات العربية المهاجرة الى أوروبا, صارت لندن وباريس قِبلة الصحافيين المصريين. وكان رأس السبب في ذلك  كله, هو التجني الجائر على الصحافيين, والمحاولات  المستمرة لتدجين الصحافة, وخنق حريتها, وكسر الأقلام, وخطف الحناجر, وتكميم الأفواه, كي لا تشتعل بالصراخ.

ولم تهدأ عاصفة السادات لإقتلاع الصحافة عند حد, فمد يده على “نقابة الصحافيين”، وحولها من كيان نقابي وقانوني, الى نادٍ! إلاَّ أنه فوجئ بالإحتجاجات والتجمعات أمام مبني النقابة, ورد فعل عنيف من الداخل والخارج.

كان النقيب في هاتيك الأيام هو كامل زهيري، فحاول بحكمته ومعرفته بالقانون, إدارة الازمة. فلجأ الى الحوار مع “أطراف الدولة” فى الغرف المغلقة, ونقل وجهة نظر المعارضين لقرارات الرئيس الى شخصيات كان  يعرف أنها تحظي بالقبول, حينذاك، و الرضا عند  الرئيس السادات, مثل: أحمد بهاء الدين, واحسان عبد القدوس,     و حافظ محمود, وانيس منصور الذي خلع عليه زهيري لقب” أنيس الرئيس”, وكان يحلو له مناداته به. ولأنه محامٍ محترف, حرص كامل زهيري على كسب القضية, فكتب “مذكرة قانونية” رفعها الى  منصور حسن, وزير الدولة للإعلام والثقافة حينذاك، إلتمس  فيها من السادات العدول عن فكرته حول النقابة, لإستحالة تنفيذها.

وكانت لشيخ الصحافيين و مؤسس نقابتهم حافظ محمود, حامل البطاقة رقم 1, وقفة جريئة إهتز لها الرئيس السادات, وهو الذي يقارع الحجة بالحجة, يدافع عن الصحافة وحرية الكلمة فيها, بقوة وشدة, دونما لين أو  هوادة, ولكن من دون الخروج عن آداب المواجهة… فعندما إنتهى “الريس”من إلقاء كلمته في افتتاح” معرض الكتاب” طلب محمود حافظ الكلام, فانتصب إبن الثانية والسبعين من سنيه, وطرح خطرات ضميره بجرأته المعهودة, فخاطب الرئيس بنبرته الواثقة:

“” ياسيادة الرئيس لدينا وثيقة موقعة من سيادتك تُقِر فيها بدور الصحافة فى ثورة 23 يوليو, ثم تأتي اليوم وتقول، أمام كاميرات العالم, أن الصحافة ضد الوطن, فكيف تناقض نفسك يا سيادة الرئيس؟”

و أكمل حافظ, والرئيس منصتاً, مأخوذاً, ومتفاجأ في آن معاً:

“ثم أن عدد الصحافيين الذين يسّبون مصر لا يزيد على 2% أو 3% … أنا عندما سِبت النقابة, تركت ميثاق شرفي صحافي ..”

إبتسم السادات, إلتفت الى من حوله وحواليه في القاعة, وقال بصوت عالٍ:

” خلاص بقي.. نعمل مجلس أعلى لحل مشاكل الصحافيين” .

وأعطى ضحكته مداها:

“أهو شيخ الصحافيين حلها لكم “.

…وبدأت  بوادر انفراج الأزمة…

***

كنا في الغربة نتابع ونتحسر, ونستقبل الوافدين إلينا, ونحاول أن نوسع المطارح لهم. وغالباً ما كنا في مجالسنا ندور على الحديث, حول ما آلت إليه الصحافة, وتتردد  على شفاهنا كلمة “لماذا؟”, هذه “اللماذا” الأبدية, التي لا زلنا نسألها, من دون جدوى.

والحقيقة أننا, نحن الذين عشنا زمن عبد الناصر وزمن السادات, لم نجد عند أي منهما رغبة حقيقية في الديموقراطية, وظلت الحرية مضنون بها. وإذا كان جمال عبدالناصر’ واضحاً في منع الأحزاب والصحف التي لا توالي النظام, فان أنور السادات كان يريدها مجرد “زينة” أو “ديكور” وهمي للديموقراطية, التي فصّلها على مقاس أفكاره.

وقد كنا ندرك أن تكميم الأفواه, وتكسير الأقلام, كان لتمرير كل السياسات الداخلية و الخارجية, بأقل قدر من الإحتجاج والإعتراض.

كان هذا هو الجو العام الذي كان يجعلنا نخاف من هذه “المصر” على “مصر”. وتأكد خوفنا هذا, بعدما أفرجت “وكالة الإستخبارات الأمريكية ” CIA عما سلّط الضوء على تلك “المصر” التي حاول السادات خلقها.

الوثيقة الأولى تتناول الشأن الداخلي ومواقف السادات, والوثيقة مؤرخة في الأول من يونيو (حزيران) 1976, تتوكأ على  دراسة أُعدت تحت رعاية ضابط “الإستخبارات الوطني” في الشرق الأوسط (شطبت اسمه)، إضافة إلى تحليلات “وكالة الاستخبارات والأمن القومي” و وزارة الخزانة  و”إستخبارات القوات المسلحة”.

تكشف الوثيقة بوضوح إلى خطورة “جماعة الإخوان المسلمين”, ومخاطر تزايد نفوذها على المدى الطويل, بعد أن إستخدم السادات التيارات الدينية لمحاربة التيارات اليسارية والشيوعية. وقدّمت الوثيقة تحليلا للتحديات التي يواجهها السادات في الجبهة الداخلية.

ونقرأ في  الوثيقة أنه على الرغم من سيطرة  الرئيس أنور السادات القوية على البلاد, إلا أن هناك من الأسباب ما يدعو  الى القلق حول قوة موقفه الداخلي, ومدى درجة الدعم لقيادته…

فمن ناحية، يبدو السادات متمتعا بتأييد شعبي عارم, فراح المسؤولون المصريون يؤكدون ويصرون بأن النظام قادر علي التصدي لأي عناصر تخريبية سواء مدنية أو عسكرية! وتبدو المؤسسة العسكرية مخلصة في توفير الدعامة الرئيسة لنظام السادات, لذا فمن الراجح أن يبقى السادات في السلطة…  لكنه ليس بمأمن من تأثير الأنشطة اليسارية, وعودة اليمين من “جماعة الإخوان المسلمين”, واستمرار جاذبية” الناصرية ” والميل نحو السوفيات لتوفير موارد مصر من الأسلحة، إضافة إلى تأثير الركود الاقتصادي والضغوط التضخمية على الفقراء في المناطق الحضرية.

وإذا تعاونت الدول العربية الصديقة للسادات مع السوفيات, في جبهة موحدة ضده, فإن موقفه سوف يهتز بشدة لكن هذا التحالف لن يتمكن من خلعه من السلطة ما دامت القوات المسلحة المصرية تقف وراءه.
وفي الوثيقة  هذا الكلام:

«بخلاف محاولة قتله (السادات) بالرصاص، أو إصابته بأزمة قلبية (ثانية)، فنحن لا نرى أي تهديد للسادات، لكن هناك اتجاهات مثيرة للقلق قد تؤدي إلى مشاكل خطيرة للإقليم»!

وفي وثيقة أخرى بتاريخ 25 سبتمبر(أيلول) 1978 حول تطور الوضع العربي-الإسرائيلي بعد إتفاقية كامب ديفيد, أشارت الوثيقة إلى أن السادات بدأ في إثبات قدرته على قراءة مزاج المصريين وخرج مئات الآلاف من المصريين لتحيته عندما عاد إلى مصر. وقد قام المسؤولون الحكوميون وكوادر حزبه بجهود كبيرة للتأكد من إقامة استقبال شعبي كبير للسادات.

وأشارت السفارة الأمريكية في القاهرة إلى عدم وجود شكوك في حماسة الجماهير الحقيقية بعد الإتفاقية، لكن الحشود,على الرغم من ذلك, كانت أقل من تلك التي إستقبلته بعد عودته من القدس.

وجاء في الوثيقة, ما هنا مفاده:

” إن الشعبية الكبيرة للإتفاق بين الشعب المصري ليست مثيرة للدهشة، ففي الأشهر الماضية, منذ أطلق السادات مبادرته، استغل بمهارة إحساس المصريين بالظلم تجاه الأثرياء العرب والفلسطينيين, وإحباطهم الناتج عن الكم الهائل من التضحيات الكبيرة التي قدمها المصريون بالإنابة عن الفلسطينيين”.
ونوّهت الوثيقة بردود الفعل الإيجابية  لدى القادة العسكريين المصريين, ومنهم المشير محمد عبد الغني الجمسي, الذي أعلن “دعمه الشخصي للإتفاق”. على الجانب السياسي, قالت الوثيقة إن ردود فعل السياسيين كانت أقل توافقا، فرجال الأعمال، وهم الفئة الأكثر إستفادة من إحلال السلام، كانوا يدعمون بشدة الاتفاقية. وعلى الجانب الآخر أبدى بعض الصحافيين وأساتذة الجامعة والطلبة وبعض الحكوميين تحفظاتهم على الإتفاق، وبعض هؤلاء المتحفظين كانوا داعمين لزيارة السادات إلى القدس,لأنه كان مستمرا في التمسك بالمواقف العربية الأساسية, وهم الآن قلقون من أن السادات أنجز إتفاقا ثنائيا فقط للسلام. فالمعارضة المنظمة ضد السادات ستأتي من المصريين اليساريين, ومن التيار الإسلامي المتشدد. فلقد خرجت بالفعل أصوات يسارية, تشكو أن السادات” فشل في إستعادة السيادة المصرية بشكل حقيقي على سيناء”, و من المتوقع أن يشكو اليمين الإسلامي من فشل السادات في حماية القدس.

***

في هذه الفترة، ورغم العلاقة القديمة بين الرئيس السادات وعبد الرحمن الشرقاوي التي وصفتها إبنته عزة الشرقاوي بأنها علاقة قوية وصداقة مع الرئيس الراحل، منذ أن وقع بينهما خلاف حينما كان والدها كاتباً في جريدة “الجمهورية” والسادات رئيسًا لتحريرها، وذلك بسبب نشره مقالا يتعارض مع مقال السادات في نفس العدد, فقد كتب السادات مقالًا يحذر فيه من الشيوعية والزحف الأحمر على المنطقة, وكتب الشرقاوي يطالب بالحوار مع الدول الشيوعية, ما اضطر السادات لحبسه يوما في السجن الحربي ثم ذهب له في اليوم الثاني بمقر محبسه وأفرج عنه وتناول الإفطار معه ومن وقتها بدأت الصداقة بينهما.

لكن العلاقة الحميمة لم تستمر طويلًا! وهبت عاصفة , وكانت “روز اليوسف” في وجهها.

 

مودي حكيم

 

 

 

شاهد أيضاً

فى ذكري 23 يوليو :
مجلة يحمل أسمها التاريخ ( 2 )

فى جلسة صفاء فى إحدى ليالى لندن الباردة، وعلى «كباية شاى»، كما كان يسميها، سرد …