د. محمد شومان
لا يتابع أغلب اساتذة الإعلام فى مصر والممارسين للمهنة التحولات الجديدة فى نماذج الاتصال والعمل الإعلامى، لذلك فان هناك فجوات فى المعارف والخبرات بين ما يجرى فى صحافة وإعلام العالم، وما يمارس لدينا. وسأتطرق لإحدى فجوات المعرفة والخبرة، والتى تتلخص فيما اصبح معروفا فى العالم بالصحافة البنائية constructive journalism، او صحافة البناء، علما بأن المقصود هو الإعلام بعامة من صحافة وإذاعة وتليفزيون ومواقع وصفحات الاونلاين. إن الصحافة البنّاءة أو الإعلام البنّاء هو مجالنا شىء يتطور ببطء داخل الأوساط المهنية والأكاديمية، ويقصد به، التغطية الاعلامية للمشكلات من منظور تقديم الحلول ، اى البحث عن الحلول لا مجرد إثارة المشكلات او التنبيه لها، الإعلام هنا لا يدق ناقوس الخطر او يلاحق المشكلات وانما يبحث فى كيفية حلها، ويكشف مدى الاستجابة للمشكلات، ومايجرى فى ارض الواقع لحل هذه المشكلات والازمات، بهذا المعنى يقدم الاعلام صورة متكاملة عن العالم والمجتمع من حولنا، ومن ثم يبحث الصحفيون عن أدلة وبراهين توضح لماذا لاتتم الاستجابة للمشكلات، ولماذا ومتى وكيف لا يعمل المجتمع والمسئولون معا نحو حل المشكلات ، ويهدف هذا النهج إلى إيجاد حوار بناء وعلاقات تعاون بين كل اطراف المجتمع، لقد سئم الجمهور من التغطيات السلبية والتى تنشر احيانا اليأس والإحباط وتثير الأحزان، ولايعنى هذا تجاهل الاخبار السلبية، وإنما تغطية ما هو سلبى الى جانب ماهو إيجابى وبناء، إن الجوانب الإيجابية، الملهمة والمشجعة حاضرة فى كل مجتمع ومؤثرة، ربما بدرجة تفوق التغطيات السلبية، والتى تعلم وتدرب عليها ومارسها الصحفيون. يركزالإعلام البنّاء على الإيجابيات وتقديم حلول المشكلات، كما يهتم باستشراف المستقبل والتركيز على التغيير للأحسن، لذلك فان أحد احدث محاولات تعريف إعلام البناء يرى انه يشمل ويدمج بين إعلام تقديم الحلول solutions journalism ، والاعلام الإيجابى positive journalism ، لانه يركز على تقديم الحلول، بشكل موثق ودقيق ، لا مجرد إثارة المشكلات ، كما يتابع الاخبار الإيجابية التى تعطى املا للناس، ويحتفى بقصص النجاح وبالأشخاص الذين يمكن ان يمثلوا قدوة للشباب. واعتقد ان هناك خيطا رفيعا بين الإعلام البناء، وبخاصة مكون الاعلام الايجابى وبين الدعاية والاعلان، من هنا لابد من توضيح الفروق بينهما لطلبة الإعلام والصحفيين، فإعلام البناء لايعنى إعلام الصوت الواحد وانما هو إعلام يعتمد على نشر وجهات النظر المختلفة تجاه المشكلات والحلول المقترحة، كما يلتزم العاملون به بتقديم وثائق وبراهين على ما يقدمونه من أخبار وآراء وحلول مختلفة، وقد ظهر الإعلام البنّاء فى دول ديمقراطية عريقة من دون ان يتهم بانه شكل من الدعاية، او خروج عن القواعد المهنية المعروفة فى العمل الصحفى، او انتهاك لمواثيق الشرف الاعلامى. وقد طبقه كثير من المؤسسات الاعلامية العريقة مثل بى بى سى والجارديان، ونيويورك تايمز، والإيكونوميست، ومجلة تايم، وشبكات تليفزيونية ، اضافة الى هافينغتون بوست وغيرها من صحافة الاونلاين . وفى مطلع الألفية الجديدة ظهرت تطبيقات متعددة للإعلام البنّاء فى السويد والدول الاسكندنافية وهولندا، ثم بدأ الاهتمام بها فى الاوساط الاكاديمية، ونشرت صحيفة نيويورك تايمز عام 2010 سلسلة المدونات Fixes، التى يستكشف محرروها حلولًا للمشكلات الاجتماعية، وقام اثنان منهم بالتعاون مع آخرين بتأسيس شبكة صحافة الحلول (SJN) عام 2013 ، وهى منظمة لاتسعى للربح. وادخل الإعلام البنّاء كمقرر دراسى فى بعض كليات الإعلام فى الولايات المتحدة واوروبا، كما أعدت كارين ماكنتاير ، أول رسالة دكتوراه فى العالم حول الصحافة البنائية عام 2015 من جامعة نورث كارولينا، واشارت الى اختلاف التسميات والتطبيقات بين الدول، فهناك من يعرفها بصحافة او اعلام الحلول أوالصحافة المؤثرة اوالصحافة السياقية..وتخلص الى ان الصحافة البنائية او الإعلام البنّاء يشمل أربعة فروع هي: صحافة الحلول (وفرعها ، صحافة حل المشكلات) ، والصحافة المستقبلية ، وصحافة السلام، والسرد التصالحى. يعتمد الإعلام البنّاء على توظيف تقنيات علم النفس الإيجابى على العمليات الإخبارية والإنتاج فى محاولة لإيجاد تغطية مثمرة وجذابة، مع التمسك بالوظائف الأساسية للصحافة. تركز التقاليد السائدة فى الاعلام على الجوانب السلبية فى المجتمع والمشكلات والصراعات، وبالتالى لابد من تغيير هذه التقاليد وتحويلها الى التركيز على الجوانب الايجابية وتقديم الحلول للمشكلات ، وقد أثبت كثير من الدراسات ان الجمهور يكون أكثر إقبالا على المواد الصحفية واكثر استعدادا للمشاركة عندما يتعرض لتقارير إخبارية او تحقيقات تناقش المشكلات والحلول وتبرز التعاون والعمل المشترك مقارنة بالموضوعات المثيرة والتى تركز على الصراع. باختصار ان المشاعر الإيجابية قد تكون مكونات أساسية لنجاح وفاعلية القصص الإخبارية البناءة التى تمنح الجمهور أملا فى الحياة والمستقبل. بكلمات اخرى من الضرورى أن يطور الصحفيون أفكارًا قصصية تعتمد على نقاط القوة والتعاون بين الأفراد، وان يركزوا على المستقبل بدلا من التركيز على الماضى اوما حدث ، ويمكنهم ايضا مشاركة قصص التقدم والإنتاجية بدلاً من القصص التى تركز على الكوارث واليأس، ويجب ألا ننسى دائما ان الهدف النهائى للصحافة البناءة هو تحسين الرفاه الفردى والمجتمعى، وهو هدف أساسى من اهداف إعلام المسئولية الاجتماعية الذى نسعى الى تحققه فى مصر ، فهل نرى تطبيقات متنوعة وناجحة للإعلام البنّاء فى مصر؟.
مجلة 24 ساعة