د. محمد شومان
لعل أحد مظاهر التغير فى نموذج الاتصال والإعلام الذى عرفناه فى القرن العشرين، هو زيادة قدرة الجمهور على رفض أو قبول الرسائل الإعلامية وإنتاج رسائل جديدة قد تكون حقيقية او مزورة، فى الوقت ذاته اصبح بمقدور افراد النخبة السياسية او الاقتصادية التواصل اللحظى مع الجمهور دون حاجة الى وسيط اى دون الحاجة الى الصحفيين ووسائل الإعلام.
خذ مثلا نموذج تغريدات الرئيس الامريكى السابق ترامب، والذى كان يعلن من خلالها عن أخبار وقرارات، لم يخطر بها بعض معاونيه، او يصرح بها لوسائل الاعلام كما كان يحدث غالبا، والمثير ان نموذج ترامب فى التواصل مع الجمهور مباشرة دون المرور على الميديا تحول الى تقليد او صرعة اجتاحت العالم، اذ اعلن بعض رؤساء العالم عن اخبار وقرارات مهمة عبر تويتر والفيس بوك، وذلك فى إشارة الى شكل من اشكال التواصل المفتوح والمباشر مع الرأى العام . لكن هذا النهج أثار تحديات من نوع جديد للمؤسسات السياسية والإعلامية وللصحفيين.
وتشير هذه التحولات ايضا إلى علاقات جديدة بين المنتجين والقراء، تتضمن عمليات إنتاج جديدة يجب فهمها من أجل فهم الأحداث الاجتماعية وراء النصوص الإخبارية. القصد هناك آثار وتداعيات جديدة تؤثر فى كيفية تشكل النصوص والخطابات والأيديولوجيا فى النصوص. من ناحية ثانية اصبحت وسائل التواصل الاجتماعى نفسها جزءًا أساسيًا من مصادر المحتوى الإخباري. وأدى الطلب على بيئة الإعلام القائمة على الإنترنت، مع الحاجة إلى التحديثات المستمرة والمنافسة الهائلة على زيادة عدد الزيارات Traffic، إلى خلق تحديات إضافية للتقاليد الراسخة فى الصحافة وإنتاج الأخبار، تشير الى ضرورة ابتكار نماذج اعمال جديدة Business Models فى الصحافة والإعلام .
على مستوى آخر صار المشهد الإعلامى الجديد هو مجتمع الاحداث، وهو مصطلح يستخدم لالتقاط الطريقة التى تميل بها وسائل التواصل الاجتماعى إلى احتواء تدفق مستمر من الأحداث الجادة والتافهة، التى تتحكم فيها الخوارزميات والاعلانات وشرائح وفئات مختلفة من الجمهور غير المتجانس، او بتعبير بعض الباحثين اصبحت الخوارزميات نفسها صانعة الخطاب أو العلاقات الاجتماعية.
هكذا أحدثت شبكة الويب العالمية تغييرات كبيرة فى نماذج الاتصال، فالسرعة الخالية من الحواجز المكانية والزمانية، وطريقة الانتشار التى تتغلغل فيها المعلومات فى جميع الوسائط الممكنة، تجعل الاستهلاك عبر الإنترنت (وسائل الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعى) أسهل وأسرع تبادلًا، كما غرس نوعًا من السطحية فى كثير من الأحيان فى أشكال اتصال معينة، نحن نتعامل حتمًا مع تسييل الحدود بين المعلومات وأى شكل من أشكال التداول فى الفضاء العام. وجلب الويب وظائف جديدة تماما، من وجهة نظر التفاعلات، والمحتوى الذى يتم إنشاؤه وبثه عبر الإنترنت بسرعة (السرعة أمر مهم للغاية فى ظروف معينة) مما أدى الى صعوبة أكبر فى استقرار الشكل الذى يمكن أن تتخذه المعلومات بشكل متكرر عبر الإنترنت.
لقد غيرت تكنولوجيا الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعى المشهد الإعلامى وادوار الصحفيين واصحاب السلطة لمصلحة الجمهور، الذى كما تؤكد دراسات الإعلام لم يعد كتلة متماسكة او كيانا موحدا، وانما اصبح هناك تشظ مستمر، وإلى ما لانهاية للجمهور، وكما نعرف من الدراسات الاعلامية فكل متلق يمكن ان يختار وينتج مواد اعلامية وخطابات او يشارك فى تداولها كليا او جزئيا، هذه التحولات فى المشهد الاتصالى والاعلامى لا تعنى حرية مطلقة للفرد المتلقى والمنتج للخطاب، لان المشهد الاتصالى والاعلامى برمته لايزال خاضعا لسيطرة شركات تكنولوجيا الاتصال، التى تمتلك وتدير وسائل التواصل الاجتماعى ومحركات البحث والخوارزميات . وتعرف الخوارزميات جيدا عادات وسلوكيات وتفضيلات المواطن الفرد – المتلقى ، ويمكنها ايضا ان تتوقع سلوكه، وتبيع كل ذلك لشركات الإعلانات التى تعمل بحرية فى عصر النيوليبرالية العابرة للحدود الوطنية، والتى تعتمد على الاسواق المفتوحة والاستهلاك بلا حدود .
هذه الاوضاع الجديدة تتحدى بقوة المنطلقات النظرية للتحليل النقدى للخطاب الإعلامي، كيف؟
سعى التحليل النقدى للخطاب الإعلامى للتحقيق فى الخطابات والكشف عن عمليات الهيمنة الايديولوجية، وتحليل استخدام اللغة لإظهار عمليات التلاعب وصنع المعانى للتأثير فى العقول وربما الافعال، وكان الافتراض الرئيسى ان عمليات التلاعب والهيمنة تجرى من اعلى الى اسفل، اى من النخب الى الجماهير، لكن هذا الافتراض وغيره من افتراضات الدراسات النقدية للخطاب لم تعد صحيحة تماما من هنا ظهرت اجتهادات ومحاولات لتجديد تقاليد الدراسات النقدية، ولتطوير وتجديد ادوات تحليل الخطاب الاعلامى واستحداث أدوات تحليلية قادرة على التعامل مع النموذج الاتصالى الجديد وما يتيحه الويب من امكانيات للتواصل التفاعلى ومشاركة الجمهور، مما ادى الى تراجع سيطرة الحكومات والمؤسسات الاعلامية، وسمح بظهور خطابات متنافسة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ينتجها ويستخدمها الجمهور اعتمادا على موارد سيميائية ووسائط متعددة، تتغير وتطور فى لحظات وعلى مدى الساعة، لكن المفارقة ان وسائل التواصل الاجتماعى تخضع لسيطرة حفنة من الشركات العملاقة التى تمتلكها وتديرها، ما يمنح مفاهيم وتقاليد الدراسات النقدية للخطاب مشروعية ووظائف جديدة، تتلخص فى الكشف عن آليات الهيمنة الجديدة والتحيز الايديولوجى وعمليات استبعاد أومنع الخطابات التى تقوم بها الخوارزميات واجهزة الذكاء الاصطناعى عبر وسائل التواصل، وذلك بهدف تحقيق مصالح اجتماعية واقتصادية محددة.
مجلة 24 ساعة