ظهرت ادبيات كثيرة حول محو الامية الابجدية ، ومحو امية الحاسوب ، ومحو امية الانترنت ، ثم ظهرمصطلح محو امية الوسائط المتعددة Multimodal literacy بمعني القدرة علي قراءة محتوي الوسائط المتعددة والمشاركة في انتاج او تعديل هذا المحتوي.
ويرجع الفضل في صك المصطلح محو امية الوسائط المتعددة عام 2003 الي جيويت وكريس ، ويكمن خلف المصطلح فرضية أن فكرة معرفة القراءة والكتابة يجب إعادة تصورها من أجل تلخيص مجموعة متنوعة من أنماط صنع المعنى ، التي تلعب دورًا خاصًا في الوسائط المتعددة الإلكترونية أو المطبوعة. وقد فرضت التطورات التكنولوجية تطوير مهارات القراءة والكتابة التي تتجاوز ما هو معروف في التعامل مع سائل الإعلام التقليدية، وفي تعليم اللغة والامتحانات وتلقي الفنون .
والفرضية الثانية ان ممارسات اللغة ومعرفة القراءة والكتابة كانت دائما متعددة الوسائط ، لأن التواصل يتطلب الاهتمام بأنواع مختلفة من المعاني ، سواء كانت من الكلمات المنطوقة أو المكتوبة ، أو الصور المرئية ، أو الإيماءات ، أو الموقف ، أو الحركة ، أو الصوت ، أو الصمت. ومع ذلك ، لا يمكن إنكار أن وسائل الإعلام الرقمية والإنتاج النصي ، التي يحركها الناس أدت إلى زيادة هائلة في تداول النصوص متعددة الوسائط في البيئات الرقمية الشبكية. لقد أصبح إنتاج النص متعدد الوسائط جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لكثير من الأشخاص على مدار حياتهم ، وعبر الثقافات والمجتمعات. وذلك نتيجة سهولة إنتاج ومشاركة الصور الرقمية والموسيقى وألعاب الفيديو والتطبيقات والوسائط الرقمية الأخرى عبر الإنترنت وتقنيات الهاتف المحمول.
ولكن قبل ان اتعرض لكيفية وفوائد محو امية الوسائط المتعددة ، اود توضيح ماالمقصود بالوسائط المتعددة ، فهي اولا دراسة كيفية صنع المعاني ، في سياقات محددة ، بوسائل مختلفة للتعبير أو ” أنماط سيميائية ” – سواء تم التعبير عنها بواسطة الجسد (الكلام ،الحركات، تعابير الوجه ، الإيماءات وما إلى ذلك) أو مع مساعدة الأدوات والمواد (الكتابة والرسم وصنع الموسيقى وما إلى ذلك). وهي ثانيا : دراسة الطرق التي يمكن من خلالها دمج الأنماط السيميائية المتعددة في نصوص متعددة الوسائط متماسكة، لذلك فان دراسة تعددية الوسائط لا تقتصر على “الوسائط المتعددة” بمعنى الوسائط الرقمية المعاصرة ، ولكنها تنطبق أيضًا على الاتصال وجهاً لوجه وأنواع النصوص غير الرقمية الأخرى.
وصاغ فان لوين وجنتركراس Gunther Kress and Theo van Leeuwen مباديء او قواعد التحليل المرئى متعدد الوسائط في كتابهما المشترك قراءة الصورة ، والذي يعتبر اساس نهجهم النظري ، والنموذج او الاطار الذي توصلا اليه لتحليل السميولوجيا الاجتماعية وتعددية الوسائط ، وقد صدر لاول مره في لندن عام 1996 ، ثم اصدراه عام 2006 بعد عشر سنوات ، ولكن بعد ان اضاف اليه بعض الافكار وناقشا بعض الملاحظات النقدية التي وجهت للكتاب ، حيث اكدا ان أن اللغة والتواصل المرئي يدركان نفس أنظمة المعنى الأكثر جوهرية والبعيدة المدى التي تشكل ثقافاتنا ، ويلاحظ هنا الدور المهم للصور في الصحف والمجلات ومواد العلاقات العامة والإعلانات وأنواع مختلفة من الكتب ، وتتضمن هذه الوسائط تفاعلًا معقدًا للنصوص المكتوبة والصور والرسوم الأخرى التي تتحد في تصميمات مرئية عن طريق التخطيط.
ويرفض فان لوين وكراس تحليلات النصوص متعددة الوسائط التي تمنح أهمية للكلمة المكتوبة علي حساب الوسائط المرئية ، والتي تتعامل معها كما لو كانت الصور تشكل وضعًا سيميائيًا أدنى من اللغة المكتوبة ، وذلك علي نحو ما ذهب “رولان بارت” ، حيث يري أن معاني الصور مرتبطة دائمًا بالنص اللفظي وتعتمد عليه بمعنى ما، اي أن الصور وحدها “ متعددة المعاني ” وللوصول إلى معنى محدد ، يجب أن تقوم اللغة بذلك . ويذهب فان لوين وكريس أن النص متعدد الوسائط باستخدام الصور والكتابة قد يحمل معاني مختلفة بل متضاربة ..وقد تنقل الكتابة مجموعة واحدة من المعاني وتنقل الصور المعاني الأخرى. ويتضح هذا جيدًا في ظروف فرض انواع من الرقابة .كما لاحظا لوين وكراس تحركًا نحو تقليل الاعتماد على اللغة وزيادة التدوين والتحكم في المرئي في أنواع مختلفة من النصوص – الكتب والأفلام وأشكال أخرى من اللغة العامة. ومن المثير للاهتمام ، أن هذا التحول تم الاعتراف به أيضًا في مجالات بحثية أخرى ، مثل الدراسات الثقافية ، حيث يتم استبدال التركيز على تحليل “ما يقوله النص” بالتركيز على “كيفية قراءة الجماهير المختلفة للنص نفسه ، من هنا بدا واضحا أن العالم الذي يتم تمثيله بصريا في وسائل الإعلام ، هو عالم مختلف ، وينتج مواطنين مختلفين ، وهو مختلف ايضا عن العالم الذي كان ممثلا في اللغة فقط. من هنا تثير التغييرات في الأنماط السيميائية بالضرورة أسئلة حول الطبيعة المتغيرة للمجتمعات، حيث ان حجم وطبيعة المعلومات قد أصبحا هائلين ومعقدين للغاية ، لدرجة أنه ربما يتعين التعامل معهما بصريًا ، لأن الكلام اللفظي لم يعد مناسبًا.
القصد ان السميولوجيا الاجتماعية وتعددية الوسائط ، والتي اجتاحت وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والتعليم والفنون فرضت التوجه نحو مصطلح محو الامية في التعامل مع الوسائط المتعددة ، كما اكدت ايضا ضرورته ، وقد اهتمت مجموعة لندن الجديدة New London Group بدراسة محو امية الوسائط المتعددة في مجال التعليم ، ومن ابرز المنتمين الي هذه المجموعة جونتر كراس ، وجيمس جي ، وآلان لوك ، وماري كالانتزيس وآخرون، بينما اهتم فان لوين بوسائل الاعلام ووسائلا التواصل الاجتماعي والفنون ، كما اهتم اوتول وجيويت واخرون بموضوعات مختلفة .
وبكلمات بسيطة فان محو امية الوسائط المتعددة هي عملية مرنه ومستدامة لمجموعة من القدرات المستخدمة لفهم النصوص متعددة الوسائط. ويعتقد فان لوين أن محو الأمية الوسائط المتعددة يتطلب :
1- معرفة نصية وسياقية ، أي فهم القواعد المرئية، بالإضافة إلى فهم القواعد أو الأعراف التي تحكم استخدامها في سياقات محددة.
2- تتضمن القراءة متعددة الوسائط أيضًا بُعدًا جماليًا ، بمعني القدرة علي انتاج وتقدير كل الاشكال الفنية كاللون والتخطيط الخ والتي تنتشر في الفن ووسائل الاتصال المختلفة .
3- وأخيرًا ، يتضمن بعدًا تكنولوجيا حاسمًا ، يتعلق بالطريقة التي تفضل بها التكنولوجيا الرقمية المعاصرة ، أو حتى تفرض ، طرق الاتصال .
ويفترض فان ليون ان الشكل الاحادي “monomodality”ساد الثقافة والفنون الغربية ، (ومع ذلك كان يحتوي علي تعددية ما ، حيث كانت تستخدم المسافات والحروف وعلامات الترقيم ) ثم بدأ الاتجاه إلى تعدد الوسائط بالتجارب الطليعية في مجال الفنون أوائل القرن العشرين ، خاصة في المسرح ، لكن من وجهة نظري اري ان مقاربة فان لوين اسيرة للثقافة الغربية ، حيث لم تشمل مقاربته الثقافات الاخري كالثقافة الصينية او الفارسية او العربية او الهندية وغيرها من الثقافات ، التي مزجت بين الكتابة والرسم والتلوين ، وربما احتوت على تعددية اغني من الثقافة الغربية ، الامر الذي يشجع باحثين من هذه الثقافات غير الغربية لدراسة نشاة وتطور تعددية الوسائط من منظور ثقافي ، وقد تضيف او تعدل مساهماتهم من افتراضات وافكار فان لوين .
ومنذ عشرينيات القرن الماضي فصاعدًا ، أصبح الاعلام متعدد الوسائط بشكل متزايد، فقد تطورت الطباعة والمجلات ، وأصبح الفيلم شكلًا فنيًا متعدد الوسائط بامتياز . وفي الآونة الأخيرة ، أصبحت الأنواع التي كانت تقليدية سابقًا مثل الكتب المدرسية والوثائق التي تنتجها الشركات والجامعات والإدارات الحكومية متعددة الوسائط ، كما أن العروض المتعددة الوسائط للتقنيات الرقمية في كل مكان ، وجعلت برامج مثل Word و PowerPoint تصميم النص متعدد الوسائط في متناول الجميع.
ويخلص فان لوين الي ان معرفة القراءة والكتابة متعددة الوسائط هي القدرة على استخدام ودمج الأنماط السيميائية المختلفة بطرق مناسبة لسياق معين ، مع معرفة ما يمكن القيام به باستخدام أنماط السيميائية المختلفة ، والطرق التي يمكن بها دمجها في نصوص متعددة الوسائط ؛ ومع ذلك ، فإن محو أمية الوسائط المتعددة يتطلب أيضًا ، وبنفس القدر من الأهمية ، فهم السياقات المجتمعية والقدرة على الاستجابة بشكل خلاق للمتطلبات الفريدة لمواقف معينة.
هكذا أصبحت القراءة والكتابة متعددة الوسائط مجال عمل مهمًا ومهارة حياتية ، لا تتطلب فقط معرفة عملية بالطرق متعددة الوسائط لصنع المعنى ، ولكن أيضًا القواعد والأعراف لاستخدام المعنى متعدد الوسائط الذي ظهر في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ، واعتقد ان افكار فان لوين لاتكتمل الا بالاشارة الي جهود الباحثين الاخرين في مجال محو امية الوسائط المتعددة في مجالات التعليم المختلفة بما فيها التعليم الاساسي والجامعي وتعليم الفنون ، اذ قدموا مقترحات مهمة يجد بعضها صدي وتاثيرا ايجايبا ، في تطوير برامج التعليم واعتمادها علي الوسائط المتعددة . من هنا فان السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح في مجتمعاتنا العربية ، هو كيف نمحو امية الوسائط المتعددة عند كبار السن ، لاسيما في تعاملهم مع الاعلام ووسائل التواصل ؟ لانني اظن ان احد اسباب فوضي فضاء وسائل التواصل في المجتمعات العربية يرجع للجهل بقواعد واسس التعامل مع الوسائط المتعددة ، وغياب الاخلاقيات والتشريعات المنظمة . وهي امور لابد من تداركها ، علاوة علي التفكير في كيفية الدمج بين الفن والاعلام (التواصل) في المناهج الدراسية ، وفي الدمج بين الاتصالات الوظيفية والجمالية .
مجلة 24 ساعة