الرئيسية / كلمة العدد / في حِمى الإمام!
مودي حكيم
مودي حكيم

في حِمى الإمام!

نَمَا فيَّ الفضولُ الى معرفة ما أحدث الصاروخ عند إنفجاره في “غيط” شاتيلا و فرزته بعينيّ خلف النافذة المطلة عليه، فإذا فجوة عميقة في وسطه, و”الزنبق” الأبيض أصبح أسود اللون, يلوي قامته الى الأرض, والزهر الليلكي الذي كان يتغامز مع الضوء, ويعشق ندى الفجر, غطّاه ملح البارود.

وأملتُ نظري الى الجهة المقابلة, فإذ صورة الإمام موسى الصدر تُزين حائط “جامع قريطم”, الحجري المرصوص, وتحتها علم “أمل” (أفواج المقاومة اللبنانية), وعناصر تدخل وتخرج, وقرقعت رشاشات وبنادق. والجامع الذي كان المقاتلون  فيه, في بداية الإحتراب الداخلي, يُعَدون على أصابع اليد الواحدة, أصبح يعج بهم, ولا يرتاح ليل نهار, مصدر أخبار للشارع كله.

والإمام موسى الصدر (الذي جاء إلي لبنان سنة 1959 من إيران, حيث ولد وترعرع, وتعلم و تفّقه, ينتمي في الأصل الى أسرة ذات منبت وأصل لبناني, وتمددت فروعها الى العراق ثم بلاد فارس), له الفضل في ترقية الشيعة اللبنانيين, فخلّصهم من التبعية, والخضوع للزعماء الإقطاعيين, والأهم من ذلك, عتقهم من أسر طقوس كانوا درجوا عليها في “عاشوراء”, حيث النحيب, والبكاء, والتفجع المؤذي, وجَلد الذات,… فطفق الإمام موسى الصدر يُعّلِم بأن “عاشوراء” ليست مناسبة إحباط وتفجع, إنما هي إحتفال برفض الظلم, الذي لحق بهم يوم قُتِل الحسين في “معركة كربلاء”, وعليهم أن لا يظلوا “شعب الحداد”, إنما “شعب المبادرة والفعل”, والتخلي عن العيش في المظلومية والندب.

وكأنما الشيعة في لبنان, كانوا ينتظرون قائداً ينتشلهم من وضعيتهم الدُنيا, والعيش في الفاقة, والعوز, والبؤس, في الأرياف, حيث المهانة و الخضوع لأصحاب الأرض الإقطاعيين الجائرين. فوجدوا في الإمام, المنقذ, فإلتفوا حوله.

ودعوته الرافضة للعنف, والداعية الى الحوار, جمعت من حوله مؤيدين مسيحيين, وقد أسعفته في ذلك شخصيته الكاريزماتية الجاذبة, وبراعته في إستمالة الناس. وبهرهم الإمام الشيعي, الذي لم يتردد في إلقاء المحاضرات في المدارس والمعاهد المسيحية, وفي المشاركة في القداس, واعظاً حول رسالته الإسلامية – المسيحية, و قوامها العدالة, والسِلم الأهلي,  والوحدة الإنسانية والوطنية.

وأطلق الإمام موسى الصدر “حركة المحرومين”, وتعدّى بها الشيعة الى كل محروم في لبنان, الى أي فئة أو مذهب إنتمى, وكان مطران الروم الكاثوليك غريغوار حداد, “المطران الأحمر”, كما كان يُدعى, أول المؤسسين مع الإمام لتلك الحركة, وكانت مجلة “آفاق” التي أطلقها المطران, منبراً لتلك الحركة, العابرة للطوائف, والتي تتماهى مع العلمانية, أو هكذا نظر إليها غريغوار حداد في مجلته, ومحاضراته, وندواته.

إلاَّ أن العنف, الذي تفشى في لبنان, هَزَم الإمام موسى الصدر, وقوّض مشروعه, و وجد نفسه بين نارين:

واحدة أشعلتها الميليشيات المسيحية, التي جرفت في حربها الكل, فلم تميز بين الفلسطينيين, والسنة, والشيعة, فتعرضت الأحياء الشيعية في المناطق المسيحية للتصفيات نفسها التي شهدتها الأحياء المسيحية في المناطق الإسلامية. والنار الثانية, إشعلها الفلسطينيون في الجنوب, بتماديهم, وتصرفاتهم. فقد أخذوا تدريجياً يسيطرون على منطقة “جبل عامل” الشيعية بإمتياز, وتحويلها الى “دويلة”, وإستخدموها قاعدة لإطلاق الصواريخ, وعمليات حرب العصابات ضد إسرائيل. فكان الرد الإسرائيلي موجعاً, ومُدمراً للقرى الشيعية, وهذا ما جعل النفور يتنامى, ويكبر بين الشيعة والفلسطينيين.

وراح الإمام المسالم يتعرض الى ضغوط, من أجل تشكيل ميليشيا شيعية للدفاع عن الذات, فرضخ مُكرَها, وأنشأ “أفواج المقاومة اللبنانية” (أمل), وبقيت في الخفاء, الى أن فضح أمرها إنفجار ضخم في أحد معسكرات التدريب في “البقاع”, أدى الى مقتل 35 شاباً… فإنكشف المستور, فقال الإمام موسى الصدر يومها, كلمته المشهورة:

“السلاح زينة الرجال”… وهو  ما أثار حفيظة وتخوف المسيحيين الذين كانوا حملوه على الراحات, فإنفضوا من حوله وحواليه, كما فعل العديد من المثقفين العلمانيين. و”حركة المحرومين” , التي كانت حركة لكل اللبنانيين, تحولت الى “ميليشيا” شيعية بإمتياز.

و وجد الإمام موسى الصدر نفسه يلتحق بالسياسة السورية, إلا أنه كان يرى نفسه “شريكا” لحافظ الأسد, وليس “تابعا”, أو “أداة”, يستخدمها القابع في دمشق متى شاء و أراد.

ويتلقى الإمام موسى الصدر سنة 1978 من العقيد معمر القذافي, دعوة لزيارة ليبيا… وإختفى, ولم يتضح قط, إذا ما كان خُطف, أو قُتل, ثم على يد من, و بأمر من…  وليس للإستفاضة حول تغييب الإمام, وأسبابه ومسبباته, منفسح هاهنا. ولملت “أمل” نفسها, فاُختير حسين الحسيني مكان الإمام المغيب إلا أن الوفاق لم يدُم داخل الحركة, فحدث إنشقاق بين المتطرفين، الذين يريدون الإنغماس في الإحتراب الداخلي, وبين معتدلين, يرفضون تلوث أصابع “أمل” بالدماء. وكانت الغَلَبة للمتطرفين, فما كان من  حسين الحسيني إلا أن إستقال من منصبه ومن الحركة رمّة, وإبتعد عنها. ليحل مكانه نبيه بري, اللين العريكة مع السوريين, و الذي ردد, حتى بعدما أصبح رئيساً لمجلس النواب: “حلفي مع سوريا إستراتيجي”. والإنشقاق أدى الى قيام “حزب الله”, بصفقة سورية – إيرانية. فكان الصدام سنة 1988 حتمياً, بين الحزب الناشىء و”امل” التي وجدت أنه ينازعها المكانة بين الشيعة, فيما سُمي, وقتذاك,”حرب الأخوة”… وبعدها، وبدعم من دمشق, حمل نبيه بري السلاح ضد المنظمات الفلسطينية, فكانت “حرب المخيمات”…

لقد كنا في “شارع مدام كوري” في “حِمى الإمام”, وعندما غادرت لبنان , إختفت صورة الإمام موسى الصدر, وإحتلت صورة نبيه بري مكانها على حائط الجامع.

***

لأول مرة إستمكنت مني الحرب, وإستشعرت ذلها ومهانتها. وما عُدت أريد أن أسترد الحياة, كل يوم, من فم الموت. وأدركت أننا محاصَرون بالمقاتلين, الحاملين كل هويات الأرض, بالعسكر السوري, بالقذائف والصواريخ, رهائن على فوهات بنادق القناصة, في فشل المتحاورين الذين كانوا في دوران الدراويش… والبلد يحتضر, ونحتضر معه كل يوم. أسارى, كنا, فالمنافذ مغلقة, “مطار بيروت الدولي”, يعشش فيه العنكبوت, والدرب الى الحدود اللبنانية – السورية, للسفر من دمشق الى القاهرة, مسدودة. “مرفأ جونية” و الوصول إليه محفوفاً بمخاطر الإنتقال والعبور من بيروت الغربية الى الشرقية, وفي ذلك المرفأ (كما مرفأ اليخوت في الكسليك), كانت المراكب تُقِل الهاربين الى قبرص ومنها الى العالم الوسيع.

وطفقت أفتش عمن يدلني على طريق الخروج و.. الرحيل.

“أجمل ما في الغربة, أنها تجعل الغرباء أصدقاء”. تمتمت بسري, وأنا أمر بعيني على وجهي المتعب, المرتسم أمامي في المرآة. وكان أمين نخلة, قائل هذا القول، على صواب.

ومن بين أصدقائي الكُثُر في غربتي الى لبنان, كان شريف الأخوي يؤثرني بمكانة في نفسه, وكان بوصلتي اليومية, يدلني على الشوارع الآمنة والسالكة, التي لم تُنتهك من القناصة, أو تعرقل الحواجز المرور فيها. فبَرَق في ذهني خاطر, أن أستجير به… ولم يكذّب خبراً:

” ما لك غير ميناء صور”..

قال بنبرة الواثق وأكمل:

” هل تعرف أحداً من جماعة “أمل”… فهؤلاء مسيطرون على صور ومرفأها”.

“أعرف… طبعاً أعرف”.

إنتشيت بالكلمة وأردفت:

” ناسي, يا أستاذ, أننا نعيش في حِمى الإمام”.

أعطى شريف الأخوي ضحكته مداها:

“عال… عال… إنحلت المشكلة”.

إنتعش الأمل في نفسي, دغدغتني سعادة غامرة, فقررت مفاتحة الحاج سليم الصيداوي, صاحب محل البقالة في “مدام كوري”, فهو جنوبي أباً عن جد, وله دالّة على “جماعة أمل”, كما سماهم شريف الأخوي, فوعد, وهو يكرّ بأنامله السبحة الطويلة ويمسك حباتها واحدة … واحدة, بتأمين وصولنا الى ميناء صور, مع “الجماعة”, و أن يجد لنا مكانًا على إحدي السفن التي تأتي بالبضائع من قبرص أو مصر ، وهي عادة سفن بضائع صغيرة .

وكانت رحلة العودة الصعبة…

 

مودي حكيم

 

 

 

شاهد أيضاً

حر مصر … ولا لهيب أوروبا !

فى أيام الغربة قضيت سنوات من سبعينيات وثمانينات قرن مضى فى العاصمة البريطانية ” لندن …