الرئيسية / كلمة العدد / في بيتنا …صاروخ!
مودي حكيم
مودي حكيم

في بيتنا …صاروخ!

هَلَّ مِرْسالُ الشتاء باكراً. الغيوم السود خانت الشمس, سكب المطر في داخلي خَدَراً ناعماً, طَرَدَ الأفكار المتلاطمة في ذهني, وأنا أعبر الطريق الى مبنى مجلة “الديار”.

يوم آخر يطلع على بيروت المشتعلة, الممزقة, النازفة دماً ودموعاً, التي تنام على أزيز الرصاص, وتستفيق على طلقات القذائف, من كل نوع وجنس ومصدر, وترتعش أوصالها من دوي تلك القذائف التي لا تتعب, ولا يستكين مطلقوها, يرشون الموت على الناس الآمنيين, في الطرقات والمفارق, بين البيوت وفيها.

حواجز التفتيش زادت واحدة, هي للجيش السوري, الذي دخل بيروت بالدبابات والمصفحات,  فإستقبله الفلسطينيون, ومن حالفهم وتحالف معهم من الأحزاب والتنظيمات الإسلامية اللبنانية, بالرصاص, وقتال الشوارع, ليعود السوريون الى التحالف معهم, ضد الطرف المسيحي, حليف الأمس.

دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية, حاملاً علم “قوات الردع العربية”, ثم ما لبث أن إستأثر بها لوحده, بعدما أخذت الدول العربية المفترض أنها تسهم وتشارك فيها, بقرار عربي اُتخذ في الرياض, ثم في القاهرة, تنسحب الواحدة بعد الأخرى من الرمال اللبنانية المتحركة.

تقف بنا سيارة “السرفيس” أمام الحاجز, العلم السوري الى جانب اللبناني. مَدَّ الجندي السوري رأسه من زجاج السيارة, دار بعينيه على وجوهنا. قال بصوت فيه نفحة آمرة, فظّة:

“الهواوي… الهواوي”.

فَسَّرَ لنا السائق, أن الجندي يريد “الهويات”. وكنت أنا دائماً, الوحيد بين  الركاب الذي لا يحمل “تذكرة هوية لبنانية”, فكنت أُخرِج من جيب سترتي جواز سفري, وبطاقتين صحافيتين, الأولى من نقابة المحررين, زودني بها النقيب ملحم كرم, والثانية من مجلة “الديار”.

راح الجندي السوري يُقلب جواز السفر, ويفرّ صفحاته, لا أعرف إن كان قرأ ما فيها من تأشيرات أم لا, إلاّ أن ملامح وجهه كانت تشي بالإستغراب!  ثم ينظر الى الصورة في الجواز مدققاً, يقارنها بوجهي, ولم يعر البطاقتين الصحافيتين أي إهتمام. مدَّ يَدَهُ, ومن دون أن ينبس بكلمة, أعطاني الجواز والبطاقتين.

وتلك الوقفة أمام الحاجز السوري, كانت تتكرر أكثر من مرة في الذهاب الى “فردان”و والعودة منه الى “مدام كوري”.

ما كدت أنفض المعطف الواقي من المطر و حبات الماء التي سالت عليه, حتى أبلغني قاسم أفيوني, مدير التحرير, بأن إجتماع التحرير الأسبوعي, بعد دقائق خمس.

والأستاذ ياسر هواري لا يحب الإنتظار كثيراً, كي يكتمل نصاب الاجتماع, ويحرص على التوقيت والدقة في اتباعه.

وإجتماعات التحرير التي يترأسها ياسر هواري, تتمدد, وتطول, يتعهدها بثاقب بصيرته, مدققا, جليد على الإستماع والتفكير مع المحررين, والوقوف منهم على الصغيرة والكبيرة, يناقش الأفكار والطروحات, وما عندهم حول ما يجري و يدور داخلياً, و إقليمياً, ودولياً.

وتحلو إجتماعات التحرير في “الديار”, متى شارك فيها حنا غصن, الحاضر البديهة, والصحافي المخضرم.  كان من أبصر أهل زمانه نحو الشؤون اللبنانية والعربية, فألمَّ بها جميعها, وكان ممتعاً في التحليل, يستفيض به, تسعفه في ذلك  ثقافته الواسعة… وكان ياسر هواري يستعذب آراء حنا غصن, كما كان هذا الأخير يُقّدِر تجربة هواري, وكثيراً ما كان يقف عند رأيه.

نقرت السكرتيرة على باب القاعة, نقرات خفيفة, كانت كافية ليصمت لها الجميع… دخلت, تهلَّلَ وجهها بالإرتباك, مالت عليَّ, طلبت بصوت مرتجف أن  أترك الإجتماع و أرد على المكالمة الهاتفية,  وألحت بنبرة متوسلة. وقفت, إستأذنت, وخرجت من القاعة.

ما أن ثبتّ السماعة على أذني, حتى سمعتُ بكاءً حاداً, كان صوت زوجتي يأتي على الطرف الآخر, مشروخاً, يغسل البكاء الحاد نبراتها. حاولت أن أُهدىء من روعها لأفهم… فكانت تزدادُ نحيباً, و رجع صدى الإنفجارات يغطي على صوتها. بالكاد رَكَبت جملاً مفيدة, فهمت منها أن إبني شريف عصي أمه, و نزل مع أخته شيرين للعب مع أولاد الجيران, وأنها ما عادت تقوى على الإحتمال, وتريدني أن أحضر الى البيت على وجه السرعة.

شعرت أنها تخفي عني السبب الحقيقي لإلحاحها على عودتي, والأمر لا يمكن أن يكون مجرد “تمرد” صبي على أمه…

أمسكتني الرعدة, لبست هنيهات لا أقوى حراكاً, تجلدت, عدت الى قاعة الإجتماعات, تجمعت العيون  على وجهي وأنا أخبرهم بما دار, وما سمعت من زوجتي, وهممت بمغادرة القاعة ومبنى المجلة, و هرولت في الشارع أفتش عن سيارة “تاكسي”.       أحسست وأنا في السيارة بالإختناق, قلبي واجف, وفي داخلي يصطرع الخوف, وصوت يلحُّ عليَّ بأن شيئاً ما قد حصل… جفّ حلقي, كانت حبات المطر تنتحب على زجاج السيارة, تسيل خيوطاً, تسليت في مراقبتها, حاولت أن أهرب إليها من أفكاري, وتوجسي, وإضطرابي.

ما عدت أذكر كم إستغرقت الدرب من “فردان” الى “مدام كوري”. كل ما أذكر, أن صوت السائق الخشن رَدّني الى صوابي, وهو يعلن عليَّ وصولي الى مبنى الشقة.

تَسَمَّرْتُ عند عتبة الشقة, و بيد مرتجفة, أدخلت المفتاح في القفل, أدرته و فتحت الباب. وجدت زوجتي تفترش الأرضَ و قد إنعكس الفزع على قسمات وجهها, وراحت لما رأتني أمامها تجهش بالبكاء. إستحوذت عليَّ الرعدة من جديد, إنغمس قلبي, لم أتمالك نفسي… بكيت, ثم صرخت:

“الأولاد ماتوا… الأولاد ماتوا”…

إنعقد لسانها, ما عادت تقوى على الكلام, صرخت بها , هززتها, عادت الى وعيها, إكتفت بالاشارة الى غرفة الأولاد.

جرجرت قدمي, خارت قواي, تجلدت, مشيت خفيف الوطء الى الغرفة, دخلتها, إختفى الكلام, كأن في داخلي ما يربط لساني, أحسست بألم في صدري, إكتفيت باطلاق صرخة مجلجلة…  إنطلقت عيناي, بعدها, تعيثان في أرجاء الغرفة, حتى إستقرتا على فجوة سوداء وسط الجدار الشرقي للغرفة أحدثها صاروخ مَرّ فيها من دون أن ينفجر, وخرج من الحائط المقابل الي “غيط” شاتيلا المجاور للمبنى.

لحقت بي زوجتي, أخبرتني بصوت متهدج, وفي عينيها يرتعش الخوف, أن شريف عاندها, وأصر على النزول, ليلعب في باحة  مدخل المبنى, هو وأخته , مع أولاد الجيران, وأنها لم تنجح في ثنيهما عن النزول… وما أن غادرا الشقة, حتى إخترق الصاروخ غرفتهما.

ونزلت أفتش عنهما, ضممتهما الى صدري و… بكيت بحرقة.

وإلتف حولنا الجيران, ساعدونا على تغطية الدائرتين السوداوين بالخشب العازل المقوى.

سجا الليل في الخارج, والليل في القنديل بقي سهراناً… ليلتها لم أنم.

***

“ماذا بعد… ماذا تنتظر… لقد هَوَّمَ الموت على الشقة, كاد أن يخطف منك عائلتك الصغيرة”…

أنَّبني الصوت في داخلي, وإنبرت أفكار مثل رقاص الساعة, تروح وتأتي في فضاء أعمى. و على الرغم من البرد الذي يلف الغرفة, كانت حبات العرق تتفجر سخية فوق جبيني.

ماذا بعد.. في بلد تتمادى الأيادي السوداء الخفية في إشعال النار فيه, وأموال عربية وأجنبية تنفق بسخاء لحرقه وتدميره, و”الحرب الباردة” بين العملاقين, تحولت ساخنة, قاتلة, ومتجنية, على بلد الأَرز. وقد إتضح لكل ذي عينين مبصرتين, أن هناك مقاتلين ليبيين, و باكستانيين, و صوماليين, و أوغانديين, وصلوا الى لبنان, عبر “ميناء صور”, وحملوا السلاح الى جانب الفلسطينيين و حلفائهم, لمقاتلة اللبنانيين.

وقد لاحَ في الأفق, لوقت لم يَطُل, الأمل بالإنفراج و الإفراج عن لبنان من أسر المؤامرات, و حروب الآخرين على أرضه, إلا أن حادثتين تاريخيتين إهتز لهما البلد الصغير,  الأول زيارة الرئيس أنور السادات الى “القدس” المحتلة, (19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1977), والثاني, وصول آية الله روح الله الخميني, الى طهران (فبراير/ شباط 1979) عائداً من منفاه في القرية الفرنسية الوديعةNeauphle-le- Château  في إقليم Yvelines  Île -de-France في شمال وسط فرنسا, ليبدأ حكم “ولاية الفقيه”, و تصدير الثورة الى المحيط العربي…

وإذا كانت خطوة السادات قد وضعت حداً للنزاع المسلح على الجبهة الجنوبية, الني كانت ترهق ميزانية الدولة, وتخصص لها القدر الأكبر من قدراتها العسكرية, إلا أن الصُلح  الذي تكرس في “كامب ديفيد” سنة 1979 بقي ثنائياً. و علي عكس ما توخاه الرئيس المصري وتمناه, لم تستتبع مبادرته التاريخية  أي خطوة مقابلة من العرب, وخصوصاُ دمشق, التي إعتبرت أن مصر تخلت عنها, و وجد حافظ الاسد أنه لابد من مواجهة الخطوة المصرية, بخطوة معاكسة, فإنضم الى “جبهة الرفض”, التي كان الفلسطينيون ممثليها الرئيسيين, فتصالح مع المنظمات الفلسطينية, التي كان ناصبها العداء وقاتلها بكل ما أوتي من قوة, على حساب “حلفاء الأمس” المسيحيين.

وكان ضحية هذه “الإنعطافة”, الرئيس الياس سركيس, الذي كان خَلَف سليمان فرنجية سنة 1976, الذي اُنتخب بعد تفاهم  دمشق مع الأحزاب المسيحية التي إستجارت بها, وطلبت حمايتها, بعد هزيمتها أمام الميليشيات الفلسطينية.

حاول الياس سركيس إنقاذ ما أمكن إنقاذه, على الأقل الحفاظ على ما تبقى من الدولة المهشمة, المُعتدى عليها. وظل  يعايش الأزمة العاتية, يميل معها, ويتمايل, ويتحايل, ويحاول بصبر, وأناة… الى أن حدثت “الإنعطافة” السورية لصالح الطرف الإسلامي, فمالت كفة الميزان, و كان من تبعاتها التوتر بين الجيش السوري و الميليشيات المسيحية, فوقعت معارك ضارية

بينهما, في أماكن عدة, وعندما شعر السوريون بالضيق, قصفوا الأشرفية, والمناطق المسيحية الأخرى مائة يوم بلا هوادة, بكل أنواع الصواريخ والقذائف. فوضعت تلك الصدامات القاتلة, والمدمرة, الرئيس سركيس في وضع حرج.

و”الإنعطافة” السورية قابلتها “إنعطافة” إسرائيلية, فقد وجدت “تل أبيب” أن دمشق التي كانت وعدت باحتواء المنظمات الفلسطينية و ترويضها, قد حنثت بالوعد, وعادت تؤازر تلك المنظمات, وتتحالف معها. فإجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان  سنة 1982 وسقطت بيروت, وكانت العاصمة العربية الوحيدة التي دخلها الإسرائيليون.

و وجد الياس سركيس نفسه عاجزاً, فأنهى عهده, في هاتيك السنة, منهكاً, متعباً, معتل الصحة… و قضى بعد فترة وجيزة.

***

إحترت, ماذا أفعل… إندفعت الأسئلة في ذهني الى آخر مدى,  أأترك البلد الذي أغدق عليَّ العطايا, وفيه تعلمت أصول المهنة, وتنشقت نسمات الحرية, والحرية في الغربة وطن, لقد أفدت وإستفدت من بيروت, الثقافة, والعلم, والفن, والأدب, والصحافة, والمناير, والمحابر, وإبداء الرأي من دون خوف أو وَجَل.

القاهرة, حبي وعشقي الأبدي, و بيروت كانت أمي بالتبني, معبد كل حب, لوحة من لوحات الله… لو لم تكن مصر بلدي ووطني السرمدي الأبدي, لكنت إخترت لبنان وطناَ, وموئلاً, وملاذاً… لبنان الرائد, والقائد, والمتفوق, والمتطور, والمتألق, حضارة, وثقافة, وتاريخاً… كنت أراه يُذبح أمامي من الوريد الى الوريد, وينزف دماً, و… يموت تدريجاً أمامي.

وكان لابد من الرحيل… وكنت أعرف, إن خرجت من لبنان, فكأني خرجت من نفسي.

سحبت نفساً عميقاً من “الغليون”, تَجمّع الدخان حلقات حول القنديل, تدافعت الوجوه المسكونة في مخيلتي… نفخت في زجاجة القنديل, أطفأت نوره, توشحت  العتمة, إسترخيت على المسند و تمتمت: “لابد من الرحيل”, ثم غفوت.

 

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

مودي حكيم

«الديار» آخر المطاف!

لم أكن أعرف ياسر هواري, وما كنت قرأت له. فهو مقِلٌّ في الكتابة , وهذا ما …