الرئيسية / صحافة ورأي / الشعر سيرةُ الذات وأسطورتها في قصائد شربل داغر

الشعر سيرةُ الذات وأسطورتها في قصائد شربل داغر

 انطوان ابو زيد

في ديوان “أيها الهواء يا قاتلي” يستعيد صور الماضي مواجهاً أسئلة الوجود

 

 

“أيها الهواء، يا قاتلي” ديوان جديد للشاعر والناقد شربل داغر وهو السادس عشر، في عداد كتبه الشعرية، والسبعون في عداد الكتب والدراسات التي صدرت له، إلى حينه.

لا أقول إنّ هذه المجموعة الشعرية، الصادرة هذا العام (2021)، عن دار خطوط الأردنية، تطرح سلوكاً ثورياً في الشعر، وقد سبق القرّاء أن عرفوا هذا النوع من قصائد الشاعر، في مجموعات من مثل “القصيدة لمن يشتهيها”، و”على طرف لساني”، و”غيري بصفة كوني”، وأكثر من عشر غيرها. وإنما قصدتُ التركيز على جانب كان له حضور لافت، أكثر من غيره في سائر المجموعات، عنيتُ السيرة الذاتية، وتحدّي أن تظلّ شعرية قصيدة النثر ماثلة وبقوة في السياق.

بالطبع، لا يشير الشاعر في مقدمة الكتاب، على غرار البعض، الى أهمّ الهواجس التي يعالجها شعره، في ما يأتي. إلاّ أنّ القراءة المتأنّية لا تلبث أن تبيّن أنّ القصائد وتوزيعها، على النحو المعلوم، إنما هي عناوين بل مداخل الى أقسام وموضوعات؛ فعلى سبيل المثال، يمكن اعتبار القصيدة الأولى، في الكتاب، وهي بعنوان “أيها الموتُ يا جاري الأليف” بمثابة الحافز الحقيقي للنبش في السيرة الطفولية الذي يأتي لاحقاً. ذلك أنّ الموت، لمّا أفلح في جعل الذات المتكلّمة (أي ذات الشاعر) “ركاماً ينقّب في ركام/ مفاتيح من دون شققها…” (ص:9)، فقد بات من قبيل ردّ غائلة الموت، الاندفاع إلى الماضي، وإحياء لحظات من الوجود، عاشتها الذات الشاعرة بملئها من دون أن تدرك أبعادها.

ذات الشاعر

يقول الشاعر: “ما عسى الصّبيّ أن يرى، يروي، إذ أمسك بكرسيّه المقشش، وجلس الى الشرفة…” (ص:10). عندئذٍ تستأنف هذه الذات، ذات الشاعر السارد، التقاط المشاهد الباقية في الذاكرة، مصحوبة بشخوصها وصوَرها الشعرية، ومذاقها الفائت (“حصرمٌ قليل دون أن تبلغه أصابعي الطريّة”)، ومناسباتها الخاصّة (تشحيل الأشجار) والعامة (عيد الاستقلال، ورغبته في أن يحضر الاحتفال، على وعد الأمّ). وتتوالى القصائد السيرية أو ذات الطابع السيريّ على هذا النحو؛ فمنها عن قعوده طفلاً صغيراً في البوسطة، تحت عنوان “لم يكن قد بلغ علوّ النافذة في البوسطة لكي يرى”، ومنها أيضاً عن لعبه “بطبشورة بيضاء في جيب مريوله الأسود” ورسمه خطّاً مستقيماً على جدار الثكنة القريبة “الأوسع من لوح الصف، يجرّ خلفه الخطّ الأبيض من دون حرف” (ص:17). ومنها كذلك قصيدة “وهذا الطّعم في الحلق” الذي يدوّن فيها الشاعر ما بقيَ من أثر ذلك الطّعم، عنيتُ راحة الحلقوم في حلقه “مثل مياه جوفية تتفجّر بينَ أصابعي، وكانت لي أصابع متساوية في قدمين/ وكانت لي ساقان، ورئتان، وشفتان، وعينان، وأذنان، ولسان واحد/ وكانت خطواتي أطول من حذائي”.

ولئن توالى اقتطاف اللحظات السيرية، الصاعدة في الزمن، توالياً مناسباً لأعمار الشخص ممثّلاً في ذاته الشعرية، أي إلى الفتوة، ولحظات العشق الأولى، وإلى ارتياد المقهى، والنزول بصحبة الأهل إلى السوق الطويلة “عشية عيد”، فإنّ سرد هذه اللحظات ظلّ قائماً على مشاهد ثابتة وأخرى متحرّكة، ولكن في سياق شبه مقطوع، أو مؤجّلة تتمتّه غالب الأحيان. وهنا، تتجاذب الحدود وتختلط بين السرد ولزوم خطّيته الكاملة عبر الزمن، وبين الشعر، ولزوم تخطّيه الزمن والمكان وإنّيات الوجود الى تعليله والتعليق عليه وابتداع عالم رديف غير الذي يستحضره ويستخلص منه صوراً عن ذاته، هي أقرب ما تكون “أسطورة عن الذات مثالية، بل مرجوّ اعتمادها، على ما يقول شارل مورون.

وقفات تأملية

في القسم الثاني من المجموعة الشعرية، يتبيّن للقارىْ أنّ الشاعر شربل داغر خصّه بوقفات تأمّلية شعرية محضة، ليقينه أنه انتقل من تبيان صورته بل صوره الماضوية الأثيرة، إلى صورة الذات الحاضرة، في تحدّيها الصامت للموت والفناء. وكانت أولى الوقفات الى “جسده” بيته، منزله الأول والأخير، يهمله حيناً، ولا يلبث أن يعود اليه: “جسدي، هو وحده، ما أنساه، وأعود إليه من تلقاء نفسي، من دون علمي… أنهض فيه أتمدد، أنحني، أسابق ما إخاله قد سبقني إليه…” (ص:109).

 ومن ثم يلتفت إلى نواحٍ في ذاته تحتاج، بنظره إلى إضاءة، من مثل كلامه على “الصوت”، و”الغيمة” (“هذا أنتَ”)، في نوع من المناجاة المواربة، تخفيفاً للجريان الكلامي المتوالد، السالف ذكره، والتي يوظّفها لتبيين محدودية هذه الذات، وصورتها التقريبية الأقلّ من الظنّ أو أكثر منه. 

لن يتسنّى للقارىْ أن ينظر في كلّ الوقفات التأمّلية وهي كثيرة، وإنّما يحسن به -شأني- العودة إلى بعض المظاهر الأسلوبية والدلالية اللافتة في المجموعة الشعرية الأخيرة، وتلك المتواترة عبر أعماله السابقة، وأهمّها: لذّة الشاعر في الاستفاضة بالمشاهد، وأشيائها، واستسهال مدّ هذه اللذة بالكثير من الحقول المعجمية المتقاربة التي قدّت من منجم لغته الثرّ. ومن تلك المظاهر أيضاً الاتّجاه المتعمّد إلى خلق الالتباس عند القارئ، باللعب على الحدّين الأثيرين لديه، اللغة الشعرية والحبيبة، في مسعى إلى تورية البوح أو اعتباره مدخلاً آخر إلى الصنيع الشعري الأهمّ والأبقى. وذلك بارز في قصائد مثل: لعلّها فوق تخت القصيدة، وتتبختر، ودوزنة، وحبيبتي المجهولة، وفي مشينا البعيد وتلهّفنا القريب، وغيرها. “أهي حبيبتي ضلّت طريقها الى القصيدة، أم قصيدتي اتّجهت إلى حبيبة مجهولة”؟ (ص:159)

 ليس من قضايا، ولا مأساة شخصية، أو حتّى مفارقات باعثة على الألم في شعر داغر، ولا اندفاقات شعرية أو غنائية تصدم العين والقلب، سوى انشغالات الكائن البشري، في وعيه رحلة الحياة ومراحلها وما فاته تدوينه منها وهو كثير. وربما ليقين الشاعر بأنّ أوان الدمع قد ولّى، أو جفّ، على حدّ ما قال في تضاعيف الكتاب.

لم يدع الشاعر شربل داغر، في ما تبيّن لي من آليات للكتابة الداخلة في الشعر: سواء عبر السرد، والتعليق، والترادف، والتضاد، أو عبر آلية التوليد والتكرار والتداعي المضبوط، أو عبر استخدامه الموتيفات الشعرية الحديثة، من أجل صوغ صورة باثنتين: صورة الذات أو أسطورتها، وصورة القصيدة بأشكالها وأنواعها المتداخلة. فما على القارئ إلاّ أن يحسن النفاذ إلى غاباتها المتشابكة.

 انطوان ابو زيد

Independent News

شاهد أيضاً

حرروا الثقافة والأدب من هذا النقد الجامعي

أمين الزاوي. حيرة وضياع وفوضى تجتاح الحقل الثقافي والإعلامي والجامعي في العالم العربيوشمال أفريقيا، تقف وراء …