أنّبت إبني، ذات يوم، لأنه تقاعس عن أداء واجب العزاء في وفاة والد زميل لنا مسؤول عن رقابة الألوان في المطبعة، و هي مسؤولية تتطلب ذوقا، و حسًا، جماليًا و فنيًا.
فلطالما إعتبرت أن الأسرة هي الإنتماء الأول للطفل، و عندما يشُب عن الصبا، يُطل على المجتمع، متفاعلًا، فاهمًا لدوره فيه، و منتميا له.
إتسعت عينا إبني دهشة، و بدا كأنه كان يتوقع كل شيء، إلا أن يرى و يعاين، ما رأى و عاين، في الحي الذي يسكنه الزميل في « إمبابة ».
إصطدمت عيناي بملامح وجهه المنفعلة، و هو يردد:
« كيف يمكن لهذا الزميل أن يتعامل مع جمال الشكل الفني الذي يراقبه، و يضبط إيقاع الألوان فيه، و هو يعيش في القبح؟ ».
ففي طلّة كل يوم، مع أول الضوء، تنفتح عينيه على القبح، و ساعة يعطي ظهره لبيته، و وجهه للدرب، يحاصره الخراب و الإهمال، و تبدأ المعاناة اليومية: بلاط الأرصفة مكسّر، أكوام القمامة تفوح منها روائح نتنة، عفنة، كريهة، تُصّبِح على المارة، و تُمّسيهم.
و إن أغمضت عينيك و مشيت، ثم فتحتهما فجأة، تصفعك قلّة الذوق في « دفيليه » الأزياء ، المتنافرة، المنفرة، لا تجانس فيها و لا ذوق، بشاعة تخدش نظرك.
و تمر بإحدى « العشوائيات »، تصدح أصوات من البيوت الملزوزة، بين البيت و البيت بيت آخر، و راديو يصدح بآخر ما في طبقات صوته، أم كلثوم و أصالة، من جهة، و شاكوش من جهة ثانية!
و تمرجح نظرك على إعلانات الطرق، لا تهذيب في صياغتها، و لا ذوق في تصميمها، تجرح نظرك و تنفر منها و من حالك، و من الشارع المصري، و منظره، و وساخته، و قبحه… و ما فيه من مساوىء و عيوب، لا تسيء الى المواطن العادي فقط، إنما الى دولة تنتمي الى حضارة موغلة في القدم، و متجّذِرة في تاريخ البشرية.
و يبدو لي، إننا ما عدنا نؤمن بأن الفن و الجمال في المجتمع، يسهمان بشكل أو بآخر، في دفع الإنسان الى التعايش في مجتمع سوي، متسامح، مستنير و واع.
و ما عدنا نرى أن الفن، في شتى أشكاله، و مذاهبه ، و مدارسه، يُسهم، هو الآخر، في تربية القيم الوسطية، القائمة على ثقافة العدل و السلام، التي تدعو اليها الديانات السماوية.
عيّابون ، شتّامين، صرنا، نكره بدل أن نحب، فيغيب الضمير فينا، و ينكسر ميزان العدل، ويصبح الجمال قبحًا، نراه كل يوم في شوارعنا و تصرفاتنا.
عيب علينا، أن يستفيق الناس في هذا البلد، على إفرازات من إنحطاط الفن، و القيم، و عُقم التفكير، و تخلفه، و تعّصُبه المقيت.
ما الذي يمنع معالي وزيرة الثقافة، من اقتناء الأعمال الفنية، من تماثيل، و جداريات، و لوحات زيتية، فتفك أسرها من محترف الرسامين التشكيليين، و النحاتين الضاربين أزاميلهم في الرخام والخشب… فتملأ ميادين المحروسة بها. و لنا في تمثال « نهضة مصر » للنحات محمود مختار، أمام « حديقة الحيوان » خير مثال يجسد العقيدة الوطنية.
ما الذي يمنع، تفعيل شروط قانون البناء، بإلزام أصحاب العقارات الجديدة، قبل إعطائهم التراخيص القانونية، باعتماد الواجهات .
ما الذي يمنع، رؤساء الأحياء، من دوام تفقد الشوارع والطرق الجانبية، للتأكد من نظافتها، من النفايات و الأوساخ، و حماية البئية، حفاظًا على الصحة العامة.
فمن العيب، أن يتحول مطلع كوبري « صفط اللبن »، في الدقي، الى مقلب رسمي للنفايات، و القاذورات، و الفضلات، و تعشش فيه ورش « سمكرة » السيارات ، و كل ذلك، على بعد أمتار قليلة من « الهيئة العامة للنظافة والتجميل » لمحافظة الجيزة.
ما الذي يمنع عودة الوعي الفني؟
ما الذي يمنع أن نجعل مصر ملجأ للأخلاق ، والذوق العام الصحي السليم.
ما الذي يمنع أن نجعل مصر موئلًا للحق و الخير و الجمال؟
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة