محــمد بغــدادى
غاب القمر يا ابن عمي يالا روحني
دى النسمه أخر الليل بتفوت وتجرحني
والصوت دبل فى الخلا، والليل ما عاد له دليل
نعس الفضا واتملى قلبى بنجوم الليل
طار النسيم بالشوق لما كلمتك
لمس النسيم توبي بهمس غنوتك
من منا لم تنتابه رهبة الغربة عندما تنسحب شمس النهار فجأة.. ويتسلل الليل.. فيداهمك الظلام فى ليلة غاب فيها القمر.. فيأتى صوت شادية من بعيد ليمحو غربتك ويبدد رهبتك.. فيؤنسك الصوت الدافئ.. وهى تنطلق بكلمات مرهفة الإحساس: “غاب القمر يا ابن عمى يالا روحنى.. دى النسمه أخر الليل بتفوت وتجرحني”.. إنها كلمات الشاعر الكبير.. والفنان التشكيلى المبدع الجميل مجدى نجيب.. إنه الشاعر الذى يكتب صوره بالريشة والألوان.. والورقة والقلم.. ويأتى لحن محمد الموجى ليزداد الشجن.. وتهفو الروح للسكينة.. تبحث عن حضن دافئ وآمن تأوى إليه.. فالبنت المصرية ترتجف عندما يأتى المساء.. وهى فى طريق عودتها لمنزلها.. تستشعر الخوف والرهبة.. وتشعر بالأمان مع من تحب.. كان ذلك فى سبعينيات القرن الماضى.. والدنيا مازالت بخير.. وتحس أن حبيبها هو ابن عمها.. يخاف عليها.. يتمنى لها الستر.. فكانت هذه الأغنية طوق النجاة.. لست أدرى من أين يأتى مجدى نجيب بهذه الصور البريئة.. ومن أي من موضع يستلهم نبض القلوب المحبة.. ليضع فيها هذا المعنى النبيل..
ياااااه.. ياله من مجدى نجيب.. تشعر دائما أنه يكتب ما تعن به نفسه.. وقت أن يغمره الحنينه للكتابة.. يضع فى قلمه روحا سحرية مترعة بالصور الغنية بالحياة والألوان.. وكأنها نسيم الروح.. تزداد كلماته جمالا كلما تماهت المسافات بين الصدق.. ومهارة الصنعة.. وحين تفيض أغانيه العاطفية بالموروث الشعبى.. يسكن مفرداته حكمة البسطاء.. وبكارة الحس الشعبى.
إنه مجدى نجيب… منذ أسبوعين أقام جاليرى قرطبة للفنون معرضا جديدا للفنان مجدى نجيب ضم 30 لوحة من أحدث اعماله.. قدم خلالها تجربة جديدة ومختلفة.. ولكنه كمن يكمل مشروعا ممتدا على مسار تجربته الفنية.. فهو يمزج هنا بين الحالة الغنائية التى يعبر عنها فى شعره وأغانيه.. وبين الأعمال التشكيلية التى تتميز بالشاعرية والعمق.. والبهجة والفلسفة الخاصة برؤيته لدور الفن التشكيلى.. يواصل مجدى نجيب فى هذا المعرض استكمال مشروعه التشكيلى فى إطار جديد.. فهو يستعرض عبر كائناته المدهشة.. ولوحاته أو منمنماته حالة خاصة من الإبداع.. مستلهما مفردات ورموز بصرية من عالمه الشعبى الساحر.. فهو يرسم كأنه يغنى.. ويغنى كأنه يرسم صورا ملونة عامرة بالبهجة والحضور الإنسانى.. يقدم مجدى نجيب هذه المرة رؤية جديدة للعلاقة بين الرسم والأغنية.. فهو ينطلق من رؤيته البصرية.. وقناعاته الفنية.. بحثا عن عالم جديد ومختلف.. وهذا ما يشغل الفنان والشاعر مجدى نجيب دائما فى العمل التشكيلى.. أو فى القصيدة الشعرية.
الفنان والشاعر مجدى نجيب.. يعيش ليبدع.. لا يعرف المزاحمة.. ولا يجيد الإعلان عن نفسه.. من يبحث عنه يجده.. ولكنه لا يبحث عن الشهرة أو الإعلام.. هو راهب ومتصوف فى عالمه الخاص: “الكلمة.. والريشة والقلم”.. له بصمة متميزة لا تخطئها العين فى الإخراج الفنى للمجلات والكتب.. ورسوم الأطفال.. صاحب مدرسة متميزة فى الرسوم الصحفية.. وصاحب قصيدة متفردة.. وصوت شعرى خاص به.. استطاع أن يقف بأعماله الشعرية الباكرة فى الصف الأمامى.. مع الرعيل الأول من الشعراء الكبار الذين أسسوا لقصيدة العامية الجديدة.. تميزت أعماله بين الكبار: فؤاد حداد.. صلاح جاهين.. عبد الرحمن الأبنودى.. وسيد حجاب.. فكان واحدا منهم.. فمنذ صدور ديوانه الأول (صهد الشتا) عام 1964.. استطاع أن يسجل أسمه فى قائمة الشعراء المؤسسين لحركة شعر العامية.. فكتب فى ديوانه الأول الذى صمم غلافه.. ورسومه الداخلية.. من القصيدة التى يحمل الديوان عنوانها:
“كلمة حب وشابت.. شابت م الصهد/ صهد.. وناس.. حراس.. اسمك.. ما اسمكش.. معرفش؟؟/ وتغيم الدنيا ف رمش../ وف نظره../ تتكوم أحلامى.. حزمة قش……/ تفضل تحلم بالصبح/ والجرح منور/ وبينعس بين الأحضان/ على سدر الناس/ بتغنى الصفح.”.. وتوالت أعمال مجدى نجيب.. فبعد صهد الشتا.. صدر له ليالي الزمن المنسي 1974.. مقاطع من أغنية الرّصاص 1976.. ممكن 1996.. الوصايا 1997.. وفى الغناء قدم أغنية جديدة بكلمات بسيطة مرهفة الحس.. ولحن له كبار الملحنين.. وغنى له معظم المطربين.. فانفرد بدور بارز وحضور خاص في الأغنية المصرية فى العصر الذهبى للغناء.. فارتقى بمشاعر الأغنية فى زمن العمالقة.. ومن أبرز ما قدمه للأغنية المصرية.. كامل الأوصاف لبعبد الحليم حافظ.. قولوا لعين الشمس.. وغاب القمر لشادية.. وكل شىء يا بلادي لنجاة الصغيرة.. أغنيات فيلم مولد يا دنيا لعفاف راضى.. ومركب حبيبى لمحمد قنديل.. وسندباد لماهر العطار.. وأفراح لمحمد رشدى.. والعيون الكواحل لفايزة أحمد.. سيبوني أحب لهاني شاكر.. جاني وطلب السماح لصباح.. وكتب لمحمد منير 22 أغنية منها: شبابيك.. وحواديت.. من أول لمسة.. وستكون هذه الأغنيات هى موضوع معرضه القادم.. فلوحاته تشيع البهجة بألوانها الصريحة.. وتضج شخصياته بالحياة.. عبر تكوينات فردية وجماعية لكائنات مدهشة مستوحاة من التراث.. والسير الشعبية.. إنه مجدى نجيب الذى احتفلنا بعيد ميلاده الرابع والثمانون منذ أيام.. متعه الله بالصحة.. والعطاء الدائم.
عن جريدة ” القاهرة”
مجلة 24 ساعة